سأبدأ مقالي، بسؤال: هل هناك فعلا، أدب خاص ب”تيمة” الأوبئة؟، وإذا ما وجد، فهل هو أدب يوثق لها؟ أم هو يأخذها مُجرّد خلفية، تُساعده، على تقديم أفكاره بشكلٍ فنيّ، وجماليّ”؟. الحقيقة، مع الإنتشار السريع لوباء “الكورونا”، في العالم كله، أصبح عند الناس، الشغوفين بالقراءة، خاصة، فضول، لقراءة الأعمال، الأدبية، العربية، والعالمية، التي تناولت، “تيمة” الأوبئة.. القائمة طويلة للأعمال التي تناولت “تيمة” الأوبئة، لكن نذكر منها، فقط، روايات، مثل: “العمى”، لـ”جوزيه ساراماجو”، و”الحب في زمن الكوليرا”، لـ”غابرييل غارسيا ماركيز”، الحائز على جائزة نوبل، و”الطاعون”، لـ”ألبير كامو”، التي أعلنت “دار غاليمار” للنشر، أنّها توجد على رأس قائمة، كُتبها الأكثر مبيعًا، منذ عقود. – تعد رواية “الطاعون” “La peste” إحدى الأعمال الكلاسيكية، في الأدب الفرنسي، وقد نشرت في 1947. أحداث الرواية، كما هو معروف، وقعت في مدينة “وهران” بالجزائر، “وهران” التي كانت مقاطعة فرنسية على الشاطئ الجزائري، وهي للوهلة الأولى، مدينة عادية، بل يصفها “كامو” في “الطاعون”، بأنها قبيحة، رغم هدوء منظرها، لأنها بدون حمام ولا أشجار ولا حدائق ولا سماء ولا هواء ربيع، هي الخالية من الخضرة والروح! وبهذا الصدد يرى “لوباسك”، بأن الأسلوب الذي يرسمه لنا كامو عن مدينة وهران أسلوب سلبي.. هو انتظار الموت.. ويضيف، بأنه ما كان ينقص تلك المدينة، هو معنى الموت الذي انبعث ذات يوم، مع الجرذان المصابة بالطاعون، والتي خرجت من جحرها لتقضي نحبها في الشوارع، ثم كف الموت عن أن يكون عادة الآخرين ليصبح قضيتنا نحن جميعا، لأنه غدا مأساة فعلية! -وهران المدينة الجميلة، التي بليت بالوباء، لكنها ستنتصر بفضل إرادة سكانها-.. ويقول “كامو”، دائما ما ينسجم الإنسان مع المدينة، وعاداتها (مادام للعادات في مدينتنا حظوة)، كل ذلك تمهيدا للأحداث التي وقعت في ربيع ذلك العام، والتي سجلها التاريخ، ويقدمها “كامو”، راويا وروائيا.. تراه “أرسطو” كان محقا حين رأى في الفن: “تمثيل جميل لشيء من الأشياء، وليس تمثيلا لشيء جميل”.. هكذا قد يكون القبح موضوعا للجمال؟ ..لو اعتبرنا أن فكرة الطاعون فكرة قبيحة.. وهي واقعيا كذلك، لكن كيف ستبدو جماليا؟ تطرح الرواية، فكرة التضامن، بوصفه، تغلبا على القيم الاجتماعية، حيث تتعرض مدينة “وهران”، لوباء “الطاعون”، و يعرض لنا “كامو”، كيف يكون، سلوك المجتمع البشري، تحت تأثير هذا الوباء، وكيف يكون سلوك الفرد، وهو البطل، بطل الرواية، مبررا قيمة التضحية، في سبيل الآخرين.. قيل، إنها إشارة مجازية، للطاعون “النازي” آنذاك.. لكنها، أيضا ،الاختبار النهائي، للتضامن البشري، في كل مكان، في مواجهة الموت الجمعي، ولمواجهة هذا الموت الجمعي/الجماعي، يكون التضامن. وقد استفحل الوباء، و تم إعلان:”حالة الطاعون أغلقت المدينة”، وكان أول شيء، جلبه الطاعون، للمواطنين، هو النفي. إن البطل الدكتور، “ريو”، يمثل الجانب العملي، عند كامو، و”تارو” الصديق، هو من يمثل، الضمير الإجتماعي، للدكتور، في تمرد مستمر، ضد قوى الموت.. والشخصيتان، تنخرطان، في القتال ضد الوباء، وكانت بينهما حوارات مستمرة، ما هي سوى أحاديث، تدور داخل المؤلف نفسه. وقد قرر “كامو” أن يحارب الوباء، من خلال التضامن solidarité  .. وكما تقوم، كتابات “كامو”، في مجملها، على فكرة، “العبث” كإحدى المقومات الأساسية، في فلسفته، وفكره، ولأن العبث، يغذي الكبرياء، فإننا نجد كبرياء المقاومة، والمواجهة، والتحرك عند البطل، سواء “ميرسو” في رواية “الغريب”، أو “ريو”، و”تارو” في رواية “الطاعون”،.. ويؤكد المؤلف، أن الإنسان، جدير، بالأعمال العظيمة.. حين أغار الوباء على المدينة، تغير وجهها، وحل الألم، محل الحياة الآلية، وهذا العذاب هو مادة الرواية كما يذكر “روبير دولوبيه”، يتعذب الناس، وتتمزق المشاعر، ويخبو الحب ثم يموت. =قال الطبيب:( -ولكن لا. الحب أو الموت معا.. -إن كل الناس، لديها الاستعداد، لأن تكون خيرة، وتقدم الخير، أو تعطيه، إذا أعطيت الفرصة. -في حوار بين “تارو” و”ريو”- – ويقول “كوتار”، صديق “ريو”، مؤكدا، بأن الوباء، هو قضية، كل إنسان. ).
ويؤكد “كامو”، على لسان الصحفي، “رامبير”:”إن الذي يهمني، أن يعيش الإنسان، و يموت من أجل، ما يحب”.. إن الإنتصار، و القوة، الإنتصار على الضعف، والإرادة القوية مع الجماعة، هي القيم، التي تبثها، رواية “الطاعون”، فضلا، عن السعادة في التضامن، فقد هدد، الطاعون، سعادة الناس.. فضلا، عن فكرة، السلام، الأمن، والإتحاد، بين البشر، جميعا، التي سعت إليها، الرواية.. يقول Michèle Millard : إن رواية الطاعون عمل أخلاقي يقترح قيمة متناسبة مع تفكير كامو التي يدعو إليها في أعماله، وهذه القيمة مرتكزة على الفرد والفعل، فقد ساعد الطاعون في تحفيز الناس للمشاركة والفعل).. -(تماما مثلما نرى اليوم في مدننا وقرانا ومداشرنا، وكل مدن الظل في جزائرنا الحبيبة). الرواية تدعو إلى أخلاق الفرد وأفعاله أو سلوكه، و”ريو” الطبيب يدعو إلى التضامن، لأن المشاركة في الألم، فضيلة.. الموت بالمرصاد للجميع، وظل الصراع الطبي ضد الطاعون يقابل صراعا باطنيا ضد الشر.. إنها الحياة.. يقول كامو:( فما هو طبيعي، هو “ميكروب” الوباء، أما الصحة والجمال والنقاء فهذا كله يأتي من أثر الإرادة التي لا ينبغي لها أن تتوقف، حتى يتحرر من الموت، وإلا فالموت هو الذي يحررهم من الوباء…).. لقد كانت سعادة الناس مهددة، بسبب الطاعون.. السعادة مفقودة، والفرح مهدد.. وكم فكر البطل “ريو” بأنه: (من العدل أن يأتي الفرح)… الرواية تدعو إلى فضيلة التضامن….والمشاركة.. الرواية، فيها فيض، من الإشراقات الإنسانية، والقيم الجمالية، لا يتسع لها مقال.. أتمنى أن نعيد، قراءة، رواية “الطاعون”، ل”كامو”، بل تظل القراءة، عموما، هي الترياق.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *