بقلم: د. مصطفى كيحل

 

قذفت جائحة كورونا العالم بأكمله في هاوية اللايقين، وبدا العقل الإنساني المنتشي بانتصاراته واكتشافاته وبطولاته المعرفية عاجزا عن بلوغ اليقين وتقديم الإجابات التي تقلص من حجم هذا الرعب المعولم وتخفف من هذا الهلع الرهيب الذي سكن مفاصل البشرية، وتقلل من أعداد الموتى الذين يعجز أحباؤهم عن توديعهم والصلاة عليهم وإلقاء النظرة الأخيرة على الفراق الأخير، قبل التخلص من أجسادهم الموبوءة والملعونة في أفران النار أو حفر أعدت على عجل لتقبر فيها تلك الجثث الخطيرة على من تبقى من الأحياء.

فحالة اللايقين التي يعيشها الإنسان اليوم، هي الخوف من الأخطار الداهمة، والعجز عن منعها، فوعود الحداثة بتحرير الإنسان من المخاوف المختلفة لم تتحقق، حيث مازال الإنسان يرزح تحت رحمة المخاوف من أخطار الفيروسات القاتلة والمخدرات القاتلة والجبال الجليدية العائمة القاتلة والأمراض القاتلة والفيضانات القاتلة وكارثة تسونامي وإعصار كاترينا ليس بالأمر البعيد، وغيرها من الأسباب المؤدية إلى الموت المؤكد.

بمعنى آخر فإن الأخطار الباعثة على الخوف، هي أخطار دائمة وأحوال ملازمة يتعذر فصلها عن الحياة البشرية، بل أن الحياة بأسرها كما يقول “زيغمونت باومان” في هذا الزمن هي صراع طويل خاسر على الأرجح ضد إمكانية التأثير السلبي المحتمل للمخاوف، وضد الأخطار الحقيقية أو الخيالية التي تلقي في قلوبنا الرعب.

وما يتسرب اليوم من داخل المستشفيات من قصص سوريالية لمرضى طلبوا من الأطباء تلبية رغبتهم الأخيرة في رؤية أقرب الناس إليهم قبل مفارقتهم الحياة، ولكن كان رد هؤلاء هو رفض تلبية رغبة المريض في الظفر برؤية أبنائه أو آبائه أو أحبائه، في ما يشبه دخول البشرية اللحظة القيامية، يجعلنا نستحضر قول ربنا تعالى في سورة عبس “فإذا جاءت الصاخة، يوم يفر المرء من أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، لكل امرئ يومئذ شأن يغنيه”.

هاوية اللايقين التي تسكن عمق الوعي الإنساني اليوم غير مسبوقة في تاريخ البشرية، صحيح أن الأوبئة ليست شيئا طارئا في ماضي الإنسانية، ولكن ما يميز جائحة كورونا هي كونها وباء معولم، فسرعة الحركة والتنقل وغياب حواجز الانتقال من بلد إلى آخر ومن قارة إلى أخرى جعل الوباء يمس القارات الخمس في فترة وجيزة ويعم عشرات الدول، كما أن هيمنة الصورة على حياة الناس وتحوّلها إلى انطولوجيا للوجود عبر شبكات التواصل الاجتماعي مكّن من نقل حالة الرعب لتشمل كل مناطق المعمورة، إضافة إلى عجز المعرفة العلمية في مجال الأمن الوبائي على التنبؤ بمثل هذه الكوارث وفشلها إلى حد اليوم على الأقل في تفسيرها ومن ثم تجنبها والتحكم فيها، وهذا ما جعل اللحظة التاريخية اليوم هي لحظة اللايقين، حيث سيطرة ملامح اللايقين وكبرت في وقت وجيز جدا، ودخلت البشرية في حرب جديدة، العدو فيها فيروس غير مرئي وغير معروف، ويقول العلماء إنه مخادع ومتستر ومعطل لدفاعات المناعة، وعندما تبدأ أعراضه في الظهور يكون قد أنهك قدرة الإنسان على الاستمرار في الحيا، زمن اللايقين هو العصر “ما بعد الاعتيادي” كما يصفه “ضياء الدين سردار”، وهو العصر الذي يتصف كما يقول بثلاث سمات هي: التعقد، والفوضى، والتناقض. وهذه السمات هي التي تبقي تلك المرحلة مستمرة بما يقود لغياب اليقين، وأطياف مختلفة من الجهل، التي تجعل عملية اتخاذ القرار مشكلة، وتزيد من المخاطر التي يواجهها الفرد والمجتمع وكوكب الأرض.

وهذه الأزمنة “ما بعد الاعتيادية” تحتم علينا أن نهجر أفكار السيطرة والإدارة المحكمة، وأن نراجع مفاهيم تم الاحتفاء بها سلفا، مثل التقدم والتحديث والكفاءة، والطريق الذي نسلكه اليوم يجب أن نتحلى فيه بالتواضع والبساطة والمحاسبة، وهي شروط لازمة للتعايش مع عدم اليقين وتعقد الحياة وجهلنا. وعلينا كما يقول أن نعلم أننا لن نخرج من أزمنة ما بعد الاعتيادي وندخل مرحلة جديدة من “العادية” إلا ببوصلة أخلاقية وطيف متنوع من الخيال نستمده من النوع الثري للثقافات الإنسانية.

ولعل المفارقة الكبرى التي تستوقف المتأمل في الشرط الإنساني اليوم هو ما يكشف عنه التقدم من أزمات بنيوية ووجودية، تكاد تعصف بالإنسان والكوكب، فإلى جانب الأوبئة الفيروسية القاتلة من مثل أنفلوانزا الطيور وفيروس سارس، والجمرة الخبيثة، والكوارث البيئية من مثل ارتفاع درجة الحرارة فوق هذا الكوكب، وذوبان الكتل الجليدية في القطبين الشمالي والجنوبي للكرة الأرضية وثقب الأزون، إلى جانب الأسلحة الكيمياوية والتجارب النووية، إضافة إلى الحروب والإرهاب والمجاعات والفقر والأزمات الثقافية والسياسية من مثل صعود اليمين المتطرف وعودة النعرات القومية والتمييز العنصري، والهويات القاتلة..

كل هذا يشي بأن التقدم يحمل في جوهره خاصية أزماتية، فالأزمة اليوم كما يقول “ادغار موران” في كتابه: “إلى أين يسير العالم ؟” أصبحت هي نمط وجود مجتمعاتنا، وفكرة كون التقدم يحمل في نفسه خاصية أزماتية: ففي ثنايا تطوره المغير والمتسارع ينطوي تقدم الأمم على عمليات فك البنيات، وفساد اقتصادي، واجتماعي، وثقافي، فالتقدم لا يحدث فوق أساس ثقافي حضاري ومجتمعي: إن التقدم غير منفصل عن عملية تحطيم وتغيير لهذا الأساس. وهذا المجرى المنشئ للفساد، وإعادة بعث النظام هو خاصية هذا البعد الأزماتي. وهكذا يبدو أن أزمة الحضارة، فيما يخص المجتمعات الغربية، وأزمة الثقافة، وأزمة القيم، وأزمة العائلة، وأزمة الدولة.. إلخ هي جوانب متعددة لكيان مجتمعاتنا، الذي يبدو كيانا مأزوما، وهي مجتمعات تهددها هذا الأزمة، لكنها مجتمعات تتغذى منها  .

فالتقدم لم يعد تعبير عن التفاؤل والأمل بتحقيق السعادة الدائمة للجميع، بل تحولت فكرة التقدم إلى واقع خطير ومرير، وصارت ترمز إلى تهديد دائم وحتمي ولا يبعث على الشعور بالراحة والطمأنينة بل ينذر بالكوارث والجوائح، والأحلام الكبرى والآمال العريضة والجميلة التي يبشر بها التقدم قد تنقلب في أي لحظة إلى رعب وكوابيس، وفقدان للاطمئنان الوجودي، لأن العالم اليوم أصبح مبهما والمستقبل بدوره أصبح مرتبكا وغامضا، ودخلت البشرية في عصر جديد غير اعتيادي ملامحه الكبرى هي فائض من الخوف وفائض من المخاطر، وهذا ما جعل الأزمة تبدو لنا كما يقول “ادغار موران” ليس حدثا عارضا داخل مجتمعاتنا، وإنما نمط وجود مجتمعاتنا .

وعندما تتحول هذه الأزمة إلى كارثة تعطل الحياة وتوقف النشاط وتدخل البشرية إلى البيت ولا يبقى أمام الناس من ملجأ إلا الحجر المنزلي، كما هو الحال اليوم مع فيروس كورونا المستجد، يتعاظم الشعور باللايقين ليس عند عامة الناس فقط وإنما أيضا عند أصحاب القرار من سياسيين وأطباء وعلماء، فلا واحد من البشر اليوم يملك الإجابة الشافية والكافية عن تراجع هذا الوباء، أو متى يتوصل العلماء إلى مصل أو لقاح لوقف انتشار هذا الفيروس الخطير، فالعالم اليوم يعيش حالة من اللايقين غير مسبوقة في تاريخه، ففي أخطر الحروب وأكثرها فتكا بالناس ظل قرار وقف الخطر بيد الإنسان عكس ما هو حاصل اليوم ,

يعود السؤال حول مستقبل البشرية والعالم والحياة على هذا الكوكب إلى الصدارة، خاصة في زمن الأزمات والكوارث والأخطار التي تضع الحياة فوق هذا الكوكب قاب قوسين أو أدنى من التحطيم و التدمير، ويترافق ذلك أيضا مع إعادة طرح أسئلة النهايات وأسئلة المخاطرة وأسئلة الأزمات، والسبب في كل ذلك أننا في زمن نفتقر فيه إلى اليقين والأمن والأمان.   

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *