احميدة عياشي

ارتبط الوباء في وعينا بما قبل الحداثة، بالقرون الوسيطة، وكانت كل عودة للوباء تعني حاجة تلك الشعوب إلى المدنية، هكذا كانت الميديا تتناول زوايا الأحداث المتفرقة عودة الأمراض التي انطوى زمنها ولم تعد سمة من سمات العصر لكن مع كورونا تغير كل شيء، لأن الداء لم يكن ينتمي إلى الماضي السحيق ولا إلى تلك اللول المسماة متخلفة والمصنفة ثقافيا وحضاريا ضمن الدائرة البدائية أو المستوى صفر للمدنية.

وضع كرونا الحضارة الرأسمالية في وضع هش، عار، مجرد من المعنى المتعالي، مكشوف في وضح النهار، ووضع الإنسان وجها لوجه مع كل ما كان يجعل منه الإله المبجل على الأرض كونه صانع الحروب المدمرة وأسلحة الدمار الشامل وثقافة السيطرة العابرة للديانات والثقافات والهويات والحضارات،،

اعتقد المنظرون الجدد للنيوليبرالية أن أحداث 11 سبتمبر جاءت لتشكل انعطافة للتاريخ الجديد الذي لم  يشكل مع نهاية الحرب الباردة المعلنة عن نهاية الشيوعية نهاية التاريخ الحقيقية بقدر ما كان ربيعا كاذبا، ولم يكن سقوط دولة الطالبان ومطاردة بن لادن إلى حد الموت السري واحتلال العراق وانبعاث الجهاد الأممي المتوحش ذي الطراز المعولم الحدث الأهم في بداية التاريخ الجديد الذي اختزل فيه الصراع التقليدي ليصبح بديله الصراع الجديد، المقنع بلغة جديدة ينتجه المعنى المشكل في حمى حروب الميديا الجديدة، حروب الإنسان المختلف في زمن الخبرانية المتحكمة بواسطة المعرفة والتقنية في مصائر الناس والمستقبل والماضي في ظل حاضر يبحث عن معناه المختطف من قبل صناع الفوضى المنظمة والحروب المصنعة عبر الشبكات العنكبوتية والخيال المسوق والموزع على الفقير والغني على حد سواء

يعود الوباء إلى اللغة الميتة، تعاني المنفردة من غربة ماحقة في قرية عالمية مجردة من الحدود وفاصل اختلاف اللغات التي توحدت عبر الصورة والرمز بواسطة السوق العالمي من الولايات المتحدة الأمريكية عاصمة النظام الإمبراطوري الحر إلى الصين قلعة الشيوعية المرسملة التي أن لت العالم من جنته العلوية المتخيلة إلى سوق الأرض حيث الغنى والفقر في صراع وتعايش دائمين، يعود الوباء إلى قاموس لم يعد يفتح ويستعمل سوى في أزمنة مسربة من الماضي السحيق ومن بلاد الظلال التي تحفها كلمات الرومانس الغامضة، ولذا كان لأن تخترق كورونا كل شبكات الأوعية الرقيقة التي تفتح عيوننا على واقع لابد من تعريته لأنسنته وفهمه وبالتالي وضعه في دائرة المحبة التي تتولد وتولد فينا ذلك الشعور الذي يجعلنا نقف على مسافة واحدة من الخوف لكن كذلك على مسافة واضحة التهديد الذي يحمله لنا الموت كرسالة، كدعوة إلى اختلاق التفكير عبر العقل المتوثب، الحر، المتجاوز للحواجز المنبعثة من داخل السؤال الذي يكون هو سؤال كل واحد منا كلما كان الوجود سؤالا والموت سؤالا والتداوي بالموت والحياة معا فاتحة لتأمل الوباء كتحد يومي ونحن داخل وخارج البيت، ومن هنا يعود البيت إلى الفضاء العام والمفتوح لنختبر قدراتنا على التفكير في الوباء وبالوباء، نفكر بالوباء ضد الوباء،، كلما حاولت التفكير في الوباء كلما تحرر الوباء من كل تلك الأسباب التي تجعل منه مصدر الخوف والشفاء

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *