الأستاذة ضاوية كربوس

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بقلم: الاستاذة ضاوية كربوس

جُبل الإنسان على مواجهة المخاطر والمستجدات منذ الأزل، وكنيَ بسيد المخلوقات لهذه الميزة، والتعامل الالكتروني أو الحوكمة الالكترونية التي ظهرت مع ظهور التعامل الالكتروني في فترة التسعينات في الدول المتقدمة، تعد حاليا شكل من الأشكال المهمة التي يواجه بها البشر الوضع الراهن ليستمر بقاؤهم، لذا اشتدت الحاجة إلى هذه المزية التكنولوجية غير المتاحة للجميع مع هذا المستجد العالمي، العدو الخفي المتخذ من الإنسان مطية لتنقلاته وبقائه

قد نجح فيروس كورونا؛ وطال عمره واجتاح العالم بأسره دون أن يفرق بين بلد متطور وبلد نامي أو فقير، مما أدى إلى فرض التباعد الاجتماعي والحجر الصحي، فانفصلت البلدان عن بعضها البعض وأوقفت شركات الطيران وألغيت كل أشكال التعاملات المباشرة بينها، كما توقفت أيضا التعاملات بين أفراد وجماعات البلد الواحد، حيث أغلقت دور العبادة والمدارس والجامعات وكذا المحلات التجارية والنقل العمومي، وعليه فإن التعامل الالكتروني هو البديل الملح الذي اعتمده الإنسان أفرادا وهيئات، وهو متاح بنسب متفاوتة تفرضها نسبة التطور التكنولوجي لكل بلد وما أكثر البلدان التي تعرف تأخرا في هذا المجال الحيوي والذي يفرض نفسه اليوم كحل طارئ، لتجاوز بعض تبعات الأزمة المستجدة التي حطمت اقتصاديات أعظم الدول وخلفت خسائر بشرية بآلاف الأرواح، ومادية بالملايير من الدولارات، كما أثارت الهلع والرعب بين الناس مما تسبب في مشاكل نفسية

 وعلى غرار العالم؛ تمر الجزائر منذ شهرين بفترة عصيبة، جراء اكتشاف العديد من الحالات الحاملة لفيروس كورونا، وعلى إثرها طُبق الحجر الصحي الجزئي وغلقت أبواب كل المرافق التي تعرف تجمعات كبيرة من المواطنين، كالمدارس والجامعات والنقل العمومي والمساجد والمحلات التجارية، ولاجتياز الأزمة؛ ولأن الحياة لابد لها من استمرار، اعتمد الجزائريون شعبا وحكومة – بالرغم من المعيقات والنقائص- على التعامل الالكتروني أو التقارب الالكتروني، للتسوق والتعلم ولكسر العزلة والتواصل مع الأقارب والأصدقاء والأحباب والاطمئنان على صحتهم وأحوالهم

إن التجارة الالكترونية في الجزائر بعدما كانت جد محتشمة فيما مضى، عرفت في الشهرين الأخيرين حركية نشيطة، واتخذت أشكالا مختلفة تتجاوز بها عقبة الدفع الالكتروني غير المتاحة، فبعد غلق محلاتهم التجارية مصدر رزقهم ومورد الناس لشراء حاجياتهم من مشرب ومأكل وملبس وكتاب ودواء، كان لابد من التصرف وإيجاد منطقة وسيطة كعادة الإنسان عند كل أزمة، فمن جهة لجأ التجار إلى المواقع الالكترونية لاستقطاب الزبائن بتقديم خدمة توصيل السلع في غياب دور البريد غير المعد كذلك بطريقة تسهل التجارة الالكترونية الحقة، ومن جهة أخرى لجأ المواطن إلى التسوق الالكتروني في المواقع الالكترونية التجارية وكذا على مواقع التواصل الاجتماعي، ليتواصلوا مع التجار ومندوبي المبيعات وطلب ما يريدونه ليصلهم إلى البيت ويتم البيع والشراء، أما التسليم والتسلم يكون يدا بيد والدفع يكون أيضا نقدا، بالرغم من ذلك فإن احتمال التعرض للاحتيال وارد كما حدث في ولاية سكيكدة أين تم القبض على زوجين شابين يقومان بالاحتيال على المواطنين والتجار على حد سواء

طال التعامل الالكتروني كل نواحي الحياة في ظل الوباء، فبعد التجارة يأتي التعليم، حيث تم إنتاج برامج تقدم دروسا عبر التلفزيون الجزائري، موجهة إلى كل الأطوار التعليمية لاستدراك الدروس، وتحسبا للعودة في حال انحصار الوباء، كما تم على مستوى التعليم العالي خلق منصات الكترونية للتعلم عن بعد، ووضع المحاضرات في فضائها لتكون في متناول الطلبة، كما يتم استغلال مواقع التواصل الاجتماعي في ذلك أيضا؛ عن طريق إنشاء مجموعات خاصة لمناقشة الأعمال التطبيقية وتقييمها من طرف الأساتذة، كما يقوم الطلبة بجمع البيانات لاستكمال مذكرات التخرج إلكترونيا في انتظار موعد مناقشتها مع استحالة التقائهم بأساتذتهم المشرفين

وعلى المستوى الأعلى للدولة؛ الحكومة والوزارات، يتم عقد اجتماعات مهمة وعن بعد، واتخاذ قرارات رسمية على إثرها، كما تقدم المرافق الثقافية نشاطات ثقافية وترفيهية متنوعة على مواقعها الالكترونية وكذا منصات التواصل التي تصل إلى غالبية المواطنين، كما تقوم التكتلات الوطنية المختلفة بتدارس مسودة الدستور عن بعد باستغلال مواقع التواصل الالكترونية

ويستمر التقارب الالكتروني في الجزائر بكل فضائله التي يقدمها ونقائصه التي يحاول الجميع تجاوزها ونتمنى الأفضل لهذا البلد الكريم الذي يستحق الوقوف على قدميه بعد عقود من الاستنزاف، وهو أمر ممكن بعزيمة أبنائه بتطوير هذا المجال الحيوي مستقبلا ابتداء من معالجة بطء تدفق النت وانعدامها أحيانا وتطوير البريد ورقمنة الخدمات المختلفة خاصة الدفع الالكتروني بجميع صيغه لنحظى بحوكمة إلكترونية متكاملة تنفعنا وقت الأزمات، وترتقي بنا وقت الرخاء، أما حاليا ومع المعيقات ما علينا سوى رفع سقف الآمال، ومن واجب الجميع دون استثناء الإصرار على التشبث بالمتاح لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بعزيمة ووطنية مقاتلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *