عرض الفيلم الروائي الطويل “هيليوبوليس” للمخرج جعفر قاسم، سهرة الأحد بأوبرا الجزائر العاصمة، في إطار إحياء اليوم الوطني للذاكرة المخلد للذكرى ال 77 لمجازر 8 ماي 1945، بحضور جمهور غفير.

و تم عرض “هيليوبوليس”, الذي أنتج بمساهمة من المركز الجزائري لتطوير السينما وبدعم من وزارة الثقافة والفنون, بحضور وزيرة الثقافة والفنون صورية مولوجي وكذا المخرج وأعضاء من الطاقم الفني والتقني الذين حظوا بتصفيقات حارة من الجمهور.

و يتناول هذا العمل, المنتج في 2021 وهو أول فيلم روائي طويل لقاسم, مجازر 8 ماي 1945 التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي في حق الشعب الجزائري والتي تمثل مرحلة هامة في مسار نضال الجزائريين من أجل الاستقلال.

و اعتمد المخرج في “هيليوبوليس”, وهو الاسم القديم لمدينة قالمة, مقاربة خاصة في تناول هذه المجازر وبعض القضايا التاريخية الهامة على غرار إبراز وحشية المستعمر الفرنسي في إبادة الجزائريين وإعطاء نظرة مغايرة عن القياد والأعيان حيث تدور أحداث الفيلم أساسا حول عائلة “مقداد زناتي” إبن قايد وأحد أعيان وأغنياء المنطقة.

يفتتح الفيلم بمشهد رهيب تسلط فيه الكاميرا الضوء على دهشة ورعب شيخ وطفل من الريف من خطر طائرات حربية استعمارية تقوم بقصف عشوائي لتتوقف فجأة وتعود عبر الزمن لتقدم للمشاهد الإرهاصات الاجتماعية والسياسية التي سبقت مجازر 8 ماي بما فيها انعكاسات الحرب العالمية الثانية.

و ركز المخرج في عمله على التغيرات التي طرأت على حياة “مقداد زناتي” (عزيز بوكروني) بعد عودة ابنه “محفوظ” (مهدي رمضاني) من الجزائر العاصمة بشهادة البكالوريا التي تؤهله لأحسن الجامعات, غير أن أمنية الأب والابن لن تتحقق لعنصرية المعاهد العليا التي لا تقبل ب “الأهالي”.

يصور الفيلم الاندماج الكبير ل “مقداد زناتي” في المجتمع الكولونيالي وتوجه ابنه “محفوظ” بالمقابل نحو الأفكار المصالية التحررية وصفوف حزب الشعب الجزائري, وتتطور الأحداث تدريجيا ليكشف المستعمر عن وجهه البشع من خلال وحشيته تجاه الجزائريين خصوصا بعد أن خرجوا بعيد نهاية الحرب العالمية الثانية مطالبين بالاستقلال.

و إضافة إلى العنف الدموي الذي قابل به المستعمر تظاهرات الجزائريين والذي أسفر عن إبادة الآلاف منهم وصور الاحتقار والقهر المسلطة ضدهم قدم العمل أيضا لقطة أيقونية لشريط حقيقي من الأرشيف يظهر قتل الفرنسيين لجزائري في خيمته بكل برودة, كما يبرز العمل حرق جثث الجزائريين في الأفران والتي تظهر لأول مرة في السينما.

يبرز المخرج أيضا في علمه, الذي جاء في 116 دقيقة, تحول حياة “مقداد زناتي” بسبب تلك الأحداث خاصة بعدما فشل في إنقاذ ابنه من الموت لينتهي الفيلم باقتناعه بأن ما أخذ بالقوة لا يسترجع إلا بالقوة وبنهاية مفتوحة أيضا توحي رمزيا بقرب حرب التحرير.

لقد نجح قاسم في رفع التحدي وتقديم عمل محترم ومتكامل من الناحية التقنية وأداء الممثلين حيث وفق في اختيار هؤلاء فجاء أداء “بوكروني” مقنعا مع أن الدور جد معقد في ظل تعرض الشخصية لمواقف متباينة ولكونها مليئة بالتناقضات.

كما كانت “سهيلة معلم” متألقة في دورة “نجمة”, إبنة مقداد, والإسم إشارة من المخرج الذي شارك أيضا في كتابة السيناريو إلى كاتب ياسين ورائعته الروائية “نجمة”, وقد ظهرت “معلم” في دور فتاة رزينة وقوية الشخصية رغم إعاقتها حيث كان لها دور حاسم في تغيير موقف أبيها تدريجيا وقبوله في نهاية الفيلم حماية القرويين الهاربين من بطش المستعمر.

و لم يخيب بقية الممثلين في أدوراهم كما هو حال مراد أوجيت وفضيل عسول وكذا الطفل وانيس حاج محمد, إلى جانب الأدوار التي تقمصها ممثلون أجانب من ذوي الخبرة على غرار أليكسي رانغار وجاك سير وسيزار دومينيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.