د. عبد الله شنيني 

 قد يبدو الكلام سابقا لأوانه ونحن في عين العاصفة، ولكن التجارب الفاصلة في تاريخ البشرية عموما انطلقت من مفاصل تاريخية كبيرة، كأن نقول مثلا إن النظام الدولي الحالي هو أحد مخرجات الحرب العالمية الثانية بما فيه من هيئات على رأسها منظمة الأمم المتحدة وقوى دولية تقف الولايات المتحدة الأمريكية في قمة هرمها، أو أن نقول إن سقوط غرناطة مثل بداية تراجع وانكماش لما كان يعرف بدار الإسلام، أو أن نؤرخ بسقوط جدار برلين لنهاية الحرب الباردة أو غير ذلك من محطات التاريخ التي غيرت بصورة شاملة أو جزئية حياة البشرية، بحيث أن ما جاء بعدها كان مختلفا تماما عما قبلها، وغالبا ما كان فعل الهيمنة والسيطرة والغلبة هو من يؤثث هذه التغيرات الكبيرة. لكن العولمة والشمولية قدمت نفسها على أنها أنهت هذه التواريخ الجزئية وارتداداتها، وفرضت نظاما غير قابل للتجزء من جديد من خلال ربط العالم اقتصاديا وسياسيا وثقافيا بشبكة من العلاقات التي تندمج فيها – وبنسب متفاوتة – كل المجتمعات باختلاف خصوصياتها ولغاتها، وهذا النسق من العلاقات المعقدة يبلغ مستوى من التعقيد بحيث يندمج الفاعل والمنفعل، والغالب والمغلوب، والمنتج والمستهلك في ديناميكية شبيهة بالعاصفة الدوارة التي تتعاظم وتكبر كلما زادت حمولتها من أتربة وأجسام طائرة، مع احتفاظها بمركز دورانها السحري مجهول الطبيعة والمصدر. هكذا تقدم العولمة نفسها ببشاراتها ووعودها الاستهلاكية والخدماتية المتسارعة، وفي الوقت نفسه تنمو أخطارها الجديدة الشاملة بالمستوى نفسه من الشمولية، حيث بات ما يعرف بالأخطار الكبرى يمس الشركاء جميعا بقدر مستوى مشاركتهم في هذا النسق (الأزمة المالية المترتبة عن الرهن العقاري في الولايات المتحدة الأمريكية ). لقد تحدث “نعوم تشومسكي” في إطار انتقاداته للسياسات الأمريكية عن الأخطار الكبيرة التي تهدد العالم، والتي أوجزها في خطرين أساسيين: التفجيرات النووية والتغيرات المناخية، ودعا إلى عالم خال من السلاح النووي ومتعاون على التقليل من أخطار التغيرات المناخية، واعتبر في هذا المستوى أن مصير البشرية مشترك إلى حد كبير ويتناغم مع شمولية هذين الخطرين، ومن غير المقدور عليه عزل ذلك أو التقليل منه إلا بإشاعة جملة من القيم التي تبنى أساسا على فكرة وحدة المصير، التي يترتب عليها بالضرورة توحيد وتعميم قيم جديدة لعولمة بعيدة عن الهيمنة أو ما سميته سابقا بمركز الدوران السحري للعاصفة. ولكن الجديد اليوم هو الخطر الذي انفجر فجأة: الفيروسات، الكورونا المستجد أنموذجا.
إن مفهوم القرية الصغيرة الذي كرسته العولمة فكريا ودعمته الأنترنت على مستوى الاستعمال والممارسة الجماهرية أخذ الآن – مع فيروس الكورونا – بعدا واقعيا يصل صداه إلى أقصى قرية في أبعد دولة (لنقل دوار بلهجتنا الجزائرية )، يعطس شخص في أوهان الصينية فيقام حظر للتجول في قريتي. غريب هذا المستجد فعلا. القرية الصغيرة الآن تتصرف فعلا كقرية صغيرة بدون أية رمزية أو استعارة لغوية، قرية مرعوبة خائفة، تتقاسم الخوف نفسه إلى درجة أن هذا الخوف وصل إلى مركز الدوران السحري الذي يحرك العاصفة. فالعالم أو القرية الصغيرة في مواجهة الكورونا يجد نفسه بلا تحالفات ولا معاهدات ولا قوى نووية أو صناعية. العالم المرعوب يقف على عتبة تاريخ جديد. لذلك نسمع كل التصريحات تقول: هي أسوء أزمة منذ الحرب العالمية الثانية، أي منذ أكبر محطة تاريخية صنعت الحاضر. وهذا يعني بالضرورة أن المستقبل لن يكون من نفس النسق الذي صنع الحاضر. الفيروسات الطائرة أو العدو الخفي قلب الطاولة على الجميع وترك الأعين مشرعة تنظر إلى بعضها البعض باستغراب. كل شيء غير مهم الآن . لا فرق بين حرب في سوريا أو ليبيا وبين مباراة كرة قدم في “وامبلي” أو “البرنابيو” . الكل غير مهم الآن. لنقل الكل متوقف الآن. دبلوماسية الفيروسات فرضت على الإخوة المتحاربين في ليبيا هدنة حقيقة وصادقة بلا مرواغة، الهدنة التي فشلت الدول الكبرى والصغرى في إقامتها. هذا يعني أن الخطر الشامل كفيل بأن يجرد المتحاربين من سلاحهم. والمتحالفين من تحالفاتهم (بوادر تصدع في الاتحاد الأوروبي) ويجرد المتكارهين من نسب الكراهية باسم الدين أو العرق أو اللغة او الإيديولوجيا، فالبشر يتضامنون الآن أكثر في مواجهة الخطر الشامل. إذا اعتبرنا أن حدث الكورونا أهم حدث تاريخي شامل الآن فإنه من الطبيعي أن العالم بعد الكورونا لن يكون من نفس النسق السابق. سواء من حيث توازنات القوة بالمعنى الاستراتيجي، فالصين دخلت إلى المشهد الدولي بهدوء كقوة ناعمة فعالة إيجابيا ( تقدم المساعدات لأوروبا وربما لأمريكا لاحقا ) أو من حيث تغير مفهوم الأمن العالمي الذي بات شاملا غير مجزء (احتمالية استعمال الفيروسات كسلاح)، أو من حيث العلاقات السياسية والاقتصادية التي ستعرف حتما تغيرا كبيرا. وفي هذا الجانب بالذات سيتم خرق هذه الشمولية عن طريق نزعات الهيمنة الاقتصادية بشتى الوسائل. وهذا سيكون مبررا في حدود التنافس السلمي. زيادة على كل هذا فإن آفاقا من النقاشات الفكرية والدينية ستفتح، وستصب أغلبها في إعادة النظر في مفاهيم أساسية كالأنا والآخر والعيش المشترك والتقليل من الاستقطابات الفكرية والدينية والمذهبية والقبول بالتنوع والتعدد. كل هذا سيبقى مرهونا بمدى الأثر الذي ستتركه الكورونا في الذين سيواصلون الحياة بعد تجاوزها، وبمدى استفادتهم من هلع الماضي الذي جعلهم سواسية كأسنان المشط في لحظة تاريخية غير مسبوقة

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.