يشكل العرس في الأوساط الريفية والبدوية طقسا مهما ومظهرا راسخا من مظاهر التآلف والتقارب الاجتمـاعي والأسري تتجلى فيه حالة قصوى من الفرح والابتهاج الإنساني الغامـر الذي تمتزج فيه قدسية الحدث بعراقة التقاليد والأعراف المرتبطة به كالمراسيم والطقوس الاعتيادية التي لا يكاد يخلو أي عرس تقليدي منها تنظرا بما يكتسيه هذا الحفل البهيج من أهمية بالغة في وجدان الإنسان منذ أن وجد على ظهر هذه المعمورة ولما كان “العرس” ركيزة أساسية لتقوية أواصر العلاقات والروابط الاجتماعية بين أسرتين بل بين قبيـلتين مثلما هو الشأن والحال في بوادي وأرياف ولاية النعامة، فإن طابع العراقة والامتثال لطقوس بعينها ما تـزال سارية المفعول ليومنا هــذا وإن أنكمش مداها وتقلص انتشارها بفعل التحولات الهائلة التي يشهدها المجتمع الجزائري على صعيد الكثير من المفاهيم، القيم و الأعراف التي بات أمر مراجعتها ضروريا لمواكبة كافة التطورات الاجتماعية والثقافية الحاصلة في العالم ، وإذا كانت ولاية النعامة بحكم موقعها الجغرافي منطقة رعوية وفلاحية تزخر بكم هائل من الثروة الحيوانية ومائية ورؤوس أغنام على تعدد أنواعها وأصنافها، فــإن أمرا كهذا استدعى من هؤلاء البدو الإقامة و الترحال صوب المناطق الخضراء حيث الوفرة في الماء و العشب والكلأ. لقـد صاحب إنسان هذه المنطقة في ترحاله ذاك مجموعة من الطقوس والاحتفالات المعبرة عن رغبته في الفرح و الزهو كما تأكده العديد من الطقوس التي كان يؤديها سواء تلك التي تعلقت بالأهازيج التي كانت يرددهـا الفلاحون عند مواسم الزرع والحصاد وتلك المرتبطـة بما هو مقدس وديني كالأعياد ، المولد النبوي الشريف … الخ، وهي تعبير جلي ودال على الغبطـة و الفرح، غير أن ذروة السعادة التي كان ينشدها بدو و ريفيون هذه المنطقة كانت تتمثل في إقامــة عرس بهيج لأحد أبنائها أو بناتها و ما يصحب ذلك من عادات موروثـة و تقاليد راسخة تمسك بها البدو و سكان الأرياف و أولوها عناية خاصة بل وأحاطوها بها له من التقديس، كونها تشكل منعطفا حاسما في حياة الابن أو البنت التي تدخل حياة جديدة مودعة حياتها السابقة بكل ما انطوت عليه من مراهقة وطيش و إذن كيف كانت تتم مراسيم العرس التقليدي ؟ أي على أي منوال يتم التحضير لهذا الحفل وكيف كان يتم التعارف بين أفراد العائلتين قبل المصاهرة، وما المواسم التي تجرى فيها فعاليات هذا العرس؟

وغيرها من الإجراءات التي أضحت مألوفة في هذه المنطقة حيث الامتداد .في العادة كان يجرى التحضير للعرس قبل أن يحين موعده المتفق عليه من قبل أسرة الزوج- كما هي عادة البوادي و الأرياف ، ولذا كان لازما على الأسرتين التكفل بالإعداد لهذا اليوم أو الحدث الهام في تاريخ كلتا الأسرتين ففيما كانت أسرة الفتاة تنفق كل ما لديها لإنجاح هذا العرس، فتتعهد بالرعاية و التدليل للبنت التي سوف تلج عالما جديدا قوامه المسؤولية والصرامة في تسيير شؤون الزوج و أهله ، فإنه بالمقابل أيضا كان أهل الزوج يعدون للابن سلفا لاستقبال هذا الحدث بفضل ما يحوطونه به من تقدير لاحتضان المسؤولية بكل ثقة و اعتزاز نفس



قديما فكرة الزواج أو الاقتراح تأتي من الوالدين بحكم أنهم ذوي خبرة ويدركون مصلحة الأولاد جيدا. حيث كانت القبائل قديما تعيش فيما يعرف ب ” دوار الخيام” بمعني أن القبائل كانت تبعد عن بعضها البعض بمسافات معينة ، فالوالد يدرك جيدا كل القبائل المجاورة له فيسمع عن سمعتهم و أخلاقهم و مدى تمسكهم بالعادات و التقاليد فمثلا يسمع عن قبيلة ما مجاورة عن سمعة بناتهم فيقترح على زوجته برغبته في مناسبتهم بمعنى خطبة فتاة لولدهم، و كانوا قديما يتزوجون في سن مبكرة خصوصا البنات، بعد ذلك يقوم الوالدين بالذهاب إلى عائلة الفتاة و يطلبون من والدها القرب بهذه العبارة التي لتزال إلى حد اليوم قائمة “ضيـاف ربي” الخطبة تتم على مستوى الخيمة فالرجال في جانب والنساء في جانب أخر، بعد حوار و جدال تقوم أم الخطيب باستـدراج أم البنت للحديث عن بناتها وتحاول اختيار ما يناسب ولدها من جمال وصغر وأخلاق، والسن الزواج آنـذاك كان يحدد تقريبا من 13 إلى 16 سنة. بعد ذلك والد البنت يرجع إلى زوجته ويخبرها بالحوار الـذي دار على مستوى مجلـس الرجال ويتفقا على رأي واحد وهو أن طلبكم مقبول لكن علينا بمشاورة أعمامها وأخوالها بحكم النسب وأنهم أصحاب الرأي والمشورة) رأي الجماعة بعد ذلك يرجع الوالدين إلى الديار ويخبران الولد عن الخطبة وعن زوجته المستقبلية وأنهم أعطوهم مهلة للرد عليهم فيقول الولد ” الـراي رأيكم “والذين تقررونه أنا موافق عليه وكل هذا مراعاة لهم وقصد مرضاتهم. يجمع والد الفتاة أعمامها و أخوالها و هذا ما كان يعرف باسم ” الجماعــة ” يطرح عليهم الموضوع و يناقشون الأمر بينهم) العائلة فقط (والمقاييس التي كانت تأخذ بها في ذلك الوقت) هي

بعد أن يخلصون إلى رأي واحد وهو الموافقة على هذا النسب إذا لم يوجد ما يعيب الخطيب ولا عائلته ومن جهـة أخرى تحاول الأم أن تطيب خاطر ابنتها وتنصحها بأنه لا شيء يدوم لها سوى زوجها وأولادها، فالبنت تكون راضية لأن كل ثقتها في والدها ولا يوجد شيء أجمل من الاستقرار

بعـــد ذلك يرسل والد البنت عجوز من أقربائه إلى عائلة الخطيب وتخبرهم بنبأ الموافقة وأنهم راضين بهذا النسب وتدعوا الله بالتسهيل والتسخير. مباشرة بعد هذا النبأ يقوم أهل الخطيب بجمع كبار العائلة و الأخوال و الأعمام و يأخذون معهم ” كبش ” و يقصدون أهل الفتاة بغية الخطبة الرسمية فيقومون بنحر هذا الكبش إعلانا منهم على الخطبة الرسمية و أن هذه الفتاة أصبحت رسميا خطيبة فلان ” إشهـار الخطبة ” و تقوم مأدبة عشاء و يتعارف الأطراف و تقرأ الجماعة فاتحة الكتاب ، آنـذاك لم يكن هناك ما يعرف حاليا ” بالمهر ” بل كل ما يهمهم هو الهناء و الاستقرار و لا يوجد شروط خاصة كما كان يقال آنذاك بهذه العبارة ” العظم الذي أخذته سليم أرجعه سليم “



يحدد موسم العــرس إما في الربيع أو الصيف و هذا راجع لأسباب عدة من بينها عدم الترحال أي أصحاب البادية يستقـرون في منطقة واحدة و كذلك الجو يكون مناسب للمعيشة و الخيرات كلها موجودة و كافية مـن ماء، زر ، أغنـــام…الخ.

أ- من ناحية العـــروس: تشـرع والدة الفتاة بتجهيز ابنتها بإمكانيات بسيطة و الموجودة من قطع قماش لخياطة اللباس التقليدي المتمثل في ما يعرف “بالملحفة” و”المقرون” وأداة الزينة التي تقتصر على أدوات بسيطة جدا وهي “الكحل” الذي يصنع ولا يشترى من عدة مواد منها ما يعرف “بالنيلة ” ومادة ” السر ” …الخ وكذا ” المسواك” وهو عبارة عن مادة توضع بين الشفتين لمدة معينة لتعطي لونا بني طبيعي براق وتجمع والدة العروس هذه الألبسة وأدوات الزينة في صندوق من الحديد و يوضع البخور و الطيب فيما يعرف “بالضبية” وذا مادة العود “القرنفل ” والحناء.

ب – من ناحية العـــريس: أول شيء يحضر من ناحية العريس هو المسكن أو (عـش الزوجية) حيث يوضع له خيمة فردية بجانب خيمة العائلة الكبيرة و تجهز بكـل الضروريات من أفرشة و أغطية حيث كانت آنذاك الزربية و الحايك “كلها عبارة عن نسيج وصندوق من حديد يضم لباس تقليدي للعروس كامل إضافة إلى الحلي الذي كان يقتصر فقط على الفضة و إذا كانوا ميسورين الحال الحلي يكون مجموعة من ” حبات اللويز” وحزام مصنوع من الفضة



عند حلول موعد العرس يعلم والد العريس أهل العروسة بقدوم ساعة الفرح فتقام الأفراح و الولائم 07 أيام و07 ليالي ، و تعتبر من الليالي الملاح فكلها أهازيج و زغاريد و الفروسية دون نسيان البارود شعار للفرحة و السرور

يقوم أهل العريس بتعليق علم أخضر في أعلى الخيمة إعلانا و إشهار للعرس لمدة أسبوع كامل و من هنا تبدأ السهرات والولائم والاستعراضات للفروسة ورقصات ” العلاوي ” و” الغايطة “

تذهب مجموعة من النساء من أقرباء العريس و حيث يكون معظمهن عجائز يرتدين اللباس التقليدي ) الملحفة والمقرون ( وبعض الحلي من الفضة كالبريم والخلالــة والأيادي و الأرجل مزينة بالحناء قاصدات بيت العروس ” الخيمــة ” وهن يرددن أغاني محلية مصحوبة بالزغاريد والفرحة والسرور تعم الوجوه من بين ما كان يردد آنذاك كغناء أحنا جينا ندوها ،بنت الجود والخيمة الكبيرة “، “أحنا جينا لدارك اليوم يا الزايخ يالمعلوم”

فعنـد وصولهن يقوم أهل العروس بالترحيب بهم ، إذ تهم أكبر عجوز في هذا الموكب مثل الجدة إن وجدت أو عمته الكبرى و هذا للفال الحسن و البركة بإخراج العروس و هي مرتدية اللباس التقليدي و مزينة بالحلي و مجملة تجمل طبيعي)كحل في العينين ، مسواك في الشفتين( ومتطيبة بعطر المسك و البخور و هي مغطاة لا يظهر منها شيء و هذه عـادة من العادات المحلية ، تتبعها والدتها و أخواتها ومعارفها بزغاريد تتعالى وأغاني ورقصات ” ما يعرف بالحيدوس ” وهو وضع صفين من النساء متقابلين : الصف الأول يقوم بالضرب على آلة البندير وترديد مقاطع من الغناء المحلي المرحب والصــف الثاني: يقوم بالرد عليهم والتصفيق، ومن أحسن ما يقال في هذا المقام كغناء هو “أحنا جينا لا تقولوا ما جاو، الخيمة الكبيرة وجدي لاتاي شـاي، يتجه الموكب ناحية خيمة العريس وعند الوصول ، تقوم عائلة العريس باستقبال الموكب وعلى رأسهم والدته وجدته فرحين بهم و مرحبين بالعروس و كل من رافقها بزغاريد عالية ويقومون برش العطور عليه) المسك والطيب (بعد إدخال العروس إلى خيمتها المحضرة سابقا. ثم يقومون بإدخال يده العروس اليمنى فيما يسمى عندنا “العكة ” مليئة بالسمن “الدهان” المستخرج من الغنم وهذه عادة تشير إلى أن هذه الخيمة هي خيمة الرزق والبركة وإن شاء الله تكون فال خير عليهم و عمارة لهم ، تبقى هي بعشها الزوجي و في الخارج تقام الاستعراضات الفروسية و طلقات البارود و على بعد مسافة هناك العريس مع أصحابه في خيمة مزينة بأحلى الزرابي ذات اللون الأحمر وهو في هذا اليوم السعيد يرتدي لباسه التقليدي المتمثل في العباءة البيضاء ) قرطاس( بدون أكمام و قميص أبيض، بالإضافة إلى البرنوس الذي يكون ملك للأب الذي توارثه عن الأجداد واحتفظ به قصد التبرك و التفاؤل الحسن بالاستمرارية و الامتداد .كما توضع عمامة بيضاء فوق رأسه ويتطيب بالعطور والبخور .يتوسط العريس المجلس مع عامة الأصــدقاء و الأحباب، مستمتعين بأنغام القصبة و استعراضات العلاوي المتناسقة و المتناغمة على وقع عزف الناي، القصبة والبندير. خارجا تقام الاستعراضات الفروسية والبارود ثم يزف العريس مع الرفاق ووزيره _الوزير هنا بمعنى شخص من أهله أو أصدقائه -تقع عليــه مسؤولية كبيرة تتمثل في تولي كل أمور العريس ” مولاي السلطان ” وراسته وتوجيهه-مع عامة الأهالي مشيا على الأرجل مرفوق بطلقات البــارود والخيالة والغايطة

يتناول الجميع من أهل العريس والضيوف وجميع الأحباب الحاضـرين العشاء و المتمثل في الطعام المحضر بالمرق و اللحم و يقدم في قصع من الخشب و يتحلقون حولها مجموعات مجموعات بالإضافة إلى ” الحليـب” و ” اللبـن ” والتمر ، فيتعارفون خلال هذه السهرة و يتسامرون في جو يطغوا عليه المرح ، الفرح ، و في صبيحة اليوم الموالي تقوم والدة العروس بتحضير أطباق شعبية تقليدية مميزة و المتمثلة في طبق ” الرفيس ” والذي هو عبارة عن خليط بين قطع صغيرة من الكسرة تكون مهروسة ومادة التمر بعد عملية تفويره ليصبح رطبا و عبارة عن معجـون يخلط الكل مع “السمـن” وتقوم الأم العروس بوضعيه في قصعة ويقسم على جميع الحضور كذلك طبق أخر وهـو “السفــة” وهو نوع من الكسكس ذي حبات صغيرة الحجم يقدم مصحوبا بالحليب أو اللبن و التمـر أما أهـل العريس فيقومون بتحضير الخبز الذي يعجن في الصباح الباكر و يطهى على الجمر يقدم مع القهوة و الشاي

وأهـم ما يميز أعراس ولاية النعامة و التي هي مشهورة به هو “المشوي” حيث يقام بشوى كبش بعد نحره و نزع أطرافـه الزائدة على الجمر فقط و يقلب من حين إلى أخر حتى يكتسب لونا ذهبيا و تنبعث منه رائحة شهية طيبة دالة على أنه أصبح جاهزا لتناوله فيقدم في صينية ويقسم إلى أجزاء و يكون مصحوبا بما يعرف عندنا بالملفـوف وهو عبارة عن قطع من ” الكبد ” التي تطهى في الماء والملح فقط ثم تلف بالشحم الرقيق و يشوى على الجمر إضافة إلى السلطـة المتمثلة في البصل المقطع إلى قطع صغيرة و هذا لإنقاص مادة الكولسترول حتى لا تضر هذه الشحوم بالجسم

ومن أهم عادات العرس التقليدي بولاية النعامة هي إخراج العروس من خيمتها لتسلم على والدة العريس ووالده فوق رأسيهما وهذا ما يعرف ب ” المكب ” ونفس الشيء بالنسبة للعريس، ثم تقوم عجوز من أهل العريس بأخذ العـروس وهي ترتدي لباسها التقليدي الذي أحضره لها العريس وتكون مغطـاة الوجه بخمار رقيق وشفاف وتقوم بتسليــم على رؤوس أعمامه وأخواله وكبار العائلة وتكون خلفهم لا من أمـامهم وتوضع هناك طبق من الحلفة فوقه منديل توضع فيه مبالغ مالية كل واحد حسب قدرته إكراما للعروس

أما والدة العروس تقوم بتوزيع العطور و البخور و السواك على كل أهالي العريس الحاضرين و هذا يعرف “بالعادة ” يدوم العرس 07 أيام كاملة و قديما لم يكن يوم الدخلة محددا بل كل الأيام مباركة عدا يوم الجمعة الذي هو يوم للعبادة بعد انقضاء هذه الأيام تعود والدة العروس إلى ديارها مع أهلها ويعطي لها ” كبش ” ومبلغ مالي مقدم من طرف العريس كهدية لها وكسب لمودتها وهذا ما كان يعرف باسم ” الزيارة ” تودع الأم ابنتها موصيه إياها على حسن معاشرة زوجها وطاعته وطاعة والديه وعدم التدخـل فيما لا يعنيها والصبر عند الشدائد فهي اليوم ضمن عائلة جديدة وعليها المحافظة عليهـا لأن كما كان يقال ” المـرأة مثل الزرع أينما ذهبت تنبت “بعد انقضاء مدة معنية ببيت زوجهــا قد تكون 06 أشهر كما تكون عاما كاملا وذلك حسب ظروف الترحال والجو المناسب يقوم الزوج بأخذ زوجته رفقـة والدته إلى بيت والدها وهذا لرؤيتهم و هذا ما يعرف “بالمكب” بمعنى قدوم البنت بالتسليم على رؤوس والديها فيقوم والد العروس بالترحيب بهم و ذبح كبش لهم و شويه على الجمر تقديرا لهم وكعشاء خاص على شرفهم و يسهرون معا ويتحلقون حول صينيـة الشاي و يتناقشـون حول مواضيع عـديدة ومتعددة، وصباحا تعود البنت وزوجهـا وعائلته أدراجهـا. وهكذا تستمر الحياة وتأتي الأجيال التي تتوارث العادات والتقاليد وينقلون الأحداث


 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *