تختلف عادات و تقاليد الجزائريين من مدينة إلى أخرى ، باختلاف المناطق و الجهات الموجودة فيها، و طابع أناسها و خصوصياتهم، مما أضفى على دلك تنوعا كبيرا في أنماط الزي و اللباس ووسائل التجميل، و شكل الاختلافات و الطقوس و الاحتفال ببعض المناسبات التي تخص المنطقة دون غيرها و هذا ما ميز الحياة الثقافية و الفنية للمجتمع المستغانمي و تأثر هدا الأخير بعادات و تقاليد أصلية توارثها السكان جيلا بعد جيل

ولهدا نعالج موضوعا طريفا، وهو تاريخ وتقاليد مدينة مستغانم العريقة، الغنية بتراثها الثقافي و الاجتماعي الذي يشكل حلقة مهمة من حلقات المغرب الأوسط ( الجزائر) المليء بأحداث المرتبة بحياة سكانها عبر الأجيال، وظلت مستغانم تحتفظ بكثير من مقوماتها الخاصة، توارثها السكان مند القدم، ولا يعرف أبناء الجزائر عندها إلا القليل عن طريق السماع أو قراءة بعض الكتابات السطحية و الأخص تلك التي كتبت أثناء فترة الاحتلال البغيضة، الهادفة إلى قطع صلة الأهالي بماضيها الفكري وتاريخها الحضاري


إن معظم العائلات المستغانمية عائلات محافظة كسائر المدن الجزائرية، لدلك نجد غالبية بنات مستغانم يمكثن في البيوت حيث يتعلمن الحرف التقليدية كالنسيج و الطرز، والخياطة و الفتلة (خيط مذهب ترسم به الأشكال الجميلة على الثياب الفاخرة) ، و المجبود و السوتاج ( خيط سميك من الحرير مزدوج تطرز به الثياب) …الخ

كانت هذه الحرف حجة لتعرف على البنت قصد خطبتها، و في بعض العائلات تكون العروس من نفس العائلة ( بنت العم، بنت الخال……الخ)، و كان كذلك أنسب مكان للتعرف على الفتاة قصد الزواج هو الحمام، أو في مناسبات الأعراس .الأم عندما تريد أن تخطب لأبنها تذهب إلى الحمام عدة مرات حتى تتعرف على الفتاة المناسبة، و حينذاك تسأل “الطيابات” (أي العاملات في الحمام ) بغرض الحصول على معلومات عن الفتاة و عن أهلها، لأن هؤلاء العاملات يقمن بدور هام في هذه العملية، لما لهن من المعرفة و الخبرة بكل فتاة تدخل الحمام من حيث الأخلاق و السلوك، و حين يتم جمع المعلومات الكافية من طرف النسوة تبعث الأم امرأة مسنة مختصة معروفة برزانتها و سلامة منطقها و محترمة من الجميع لتذهب إلى بيت الفتاة التي وقع عليها الاختيار، فتطلب يدها لعائلة فلان، و يكون الرد بالموافقة أو بالرفض الذي لا يسبب حرجا لعائلة الخاطب، و قد تذهب الأم بنفسها أحيانا و تقيّم البنت من كل الجوانب ” الجمال، الأناقة، الاستقامة، الخلق، الشطارة” و في بعض العائلات تضرب الأم العريس بمرفقها الفتاة في الفخذ حتى تعرف ما مدى استطاعة العروس على تحمل متاعب الحياة …..الخ

عندما يكون الرد بالموافقة تستعد الأسرة خاصة النساء( الأم ،الجدة، العمة، الخالة، الجارات) في مدة لا تتجاوز خمسة عشر (15) يوما، يذهب الجميع لطلب يد الفتاة، بمرور في طريقهم بمكان عام كالسوق لسماع الفال ( يعني أول كلمة التي تقال، إذا كانت الكلمة حسنة فان العروس مثلها،وإذا كانت الكلمة سيئة فان العروس مثلها، و في بعض الأحيان يتنازلون عن الخطبة بسبب الكلمة السيئة)

عند الوصول إلى بيت الفتاة، يستقبلهم أهلها بتقديم لهم القهوة و الحلوى، و هنا يتم الاتفاق على الشروط من مهر ” الصداق” و كل ما يتعلق بلوازم العرس. فتبدأ أم العروس بمدح ابنتها كقولها ” جيتو تخطبوا بنت الحسب و النسب ، سنية ، قنية ، لمتشوف قردة من المسا ، كل إصبع بصنعة ” و الشرط أو المهر المتمثل في الكرافاش أو الحبل ، المسيبعات منقوش و الخاتم و كذلك “طيافر ” (الجهاز ) المتمثل في ألبسة العروس، و كذلك “العمامة ” ( مبلغ من النقود ) و هذا يسمى “الكمال” ( المفاهمة على الصداق المسمى بينهما ) و هنا ينتهي دور النساء ثم يلتقي الرجال ( أهل الزوجين ) عادة في مقهى لإتمام الباقي حيث يتفق على تعيين اليوم الذي تقرأ فيه فاتحة النكاح . 

عندما يحصل الاتفاق و تتم الخطبة، يعين أهل العروس يوم للمراكنة وقد يكون هذا اليوم أحيانا هو نفس يوم فاتحة النكاح ( مجموعة من رجال من أهل العروسين مع إمام ) و هذا ما يسمى” بالملاك ” يذهب أهل الخاطب (العريس) إلى بيت الخطيبة ويحملون بعض الهدايا و سنية المقروط و المادلين و الطورنو ، يضع للعروس خاتم الخطوبة و يكون من الذهب و يسمى “خاتم الكلمة” و يقتصر الحفل على أقارب لعائلتين

وهنا يتم الاتفاق على يوم “الحنة”و يكون قبل الزفاف بمدة قليلة، و أحيانا متتابعة مع الزفاف المعرفة بـ:
” حنة و الرفود” ( التعجيل بوليمة العرس مباشرة بعد حفلة الحنة بيومين أو ثلاثة )

وفي صباح هذا اليوم ، يقوم أهل الزوج بحمل نفقات من دقيق و كبش و حلويات ويسمى هذا ب “الدفوع ” كما توضع الأشياء الأخرى موزعة على ثلاث موائد كبيرة و مستديرة تسمى “الطيافر” (واحد طيفورو هو مائدة مستديرة كبيرة محاطة بإطار من خشب رقيق بنحو 6 سنتيمتر ). فتوضع الحنة و الشاي و القهوة في احدهما ، و توضع الحلويات في الثانية ، و الثياب و الأقمشة الفاخرة و العطور (الجهاز ) في الثالثة ، و يحمل كل هذا على رؤوس النساء وصيفات مختصات لهذا العمل ثم يذهبن إلى بيت العروس في المساء فيستقبلهم أهل البيت عند باب الدار بالسكر ثم يقدم لهم الكسكسى و القهوة و الحلويات ثم يخرجن في فناء المنزل حيث يوجد جميع الاهل مع”المداحات ” ( فرقة متكونة من خمسة نسوة يقمن بتنشيط الأفراح بالإنشاد و الصلاة على النبي (ص) و العزف بالآلات الموسيقية التقليدية كالبندير، القلال، الطبيلة، الشكشكة والدربوكة ) يغنون النساء اللواتي يرقصن في الحلقة 

فيما بعد تقوم إحدى النساء من أهل العريس بإخراج العروس (تكون ملفوفة بالحايك و لا يحجب عن وجهه) فتبدأ المداحات بالمديح و الصلاة على الرسول (ص) ثم تجلس العروس على “قصة ن الخشب ” (إناء كبير مستدير يصنع من جذور الأشجار كالصنوبر أو الجوز ) مقلوبة فوقها وسادة توضع في وسط الحلقة على جانبيها فتاتان تحملان شموع و يضع لها الحناء في كلتا اليدين حتى الكعبين و كذلك في كلا الرجلين حتى الكوعين ثم تقوم امرأة مسنة موثوق بها في مثل هذه المناسبات فتعرض “الصداق” بكامله أمام الحاضرين و بصوت عال ثم يوضع في “الفنيق” (علبة خاصة توضع فيها حلي المرأة لتزيينها في الأفراح ) و هنا تبدأ في عد ما هدي من أطراف العائلة ممن قدموا هدايا ثمينة بالمناسبة كالأب و الأخ و العم و الخال …الخ 

ويستمر الحفل حتى ساعة متأخرة من الليل ثم تأخذ أم العريس القليل من حنة العروس و تضعها على يد ابنها مرفوقة بالزغاريد و شعل الشموع و يتم هذا كله في منزل العريس بعد العشاء. ثم يحدد أهل الزوجين يوما للعقد الشرعي للنكاح ، فيتوجه كل منهما مع العروسين إلى “دار القاضي” فتكون العروس متلحفة “بحايك “
( قطعة من قماش منسوج من الصوف ممزوج بالحرير ترتديه النساء كحجاب خارج البيت و هو يغطي الجسم بكامله ) ، يرافقها ولي أمرها مع جماعة من الشهود فيسأل القاضي العروس عن رأيها في هذا الزواج ، فيكون ردها بالموافقة و هنا يتم عقد القران