الإطار الجغرافي


تقع ولاية ميلة في الشمال الشرقي للجزائر، يحدها شمالا ولايات جيـجل وسكيكدة وتحدها قسنطينة من الغرب وأم البواقي من الجنوب الغربي ومن الجنوب الشرقي ولاية سطيف. وهذا الموقع أعطى الولاية أهمية كبرى تجلت في تنوع وثراء ثقافي وفلكلوري كبير، صاحبتها عادات وقيم حضارية لا تحصى منها عادات وطقوس عرس الزواج

:ومن خلال هذا الموقع يمكننا تقسيم الولاية إلى أربعة (04) مناطق مختلفة، إذ تختلف فيها ولو نسبيا طقوس وعادات عرس الزواج وهي

المنطقة الشمالية ” الجبلية”: وتضم البلديات المجاورة لكل من ولاية جيجل وسكيكدة

المنطقة الحضرية: وتشمل بالأساس بلدية عاصمة الولاية

المنطقة الشبه حضرية: وتشمل البلديات كبرى، خاصة المجاورة لعاصمة الولاية

المنطقة السراوية: و تشمل البلديات الواقعة إلى الجنوب من بلدية عاصمة الولاية وبلديات الجنوب الغربي

المنطقة المتبقية: و تشمل المناطق و البلديات المجاورة لولاية سطيف


الإطار المفاهيمي


يقصد بالزواج التقليدي كل السلوكيات و العادات و الأعراف و القيم التي كانت سائدة في أوساط المجتمع و المتعلقة بكل ما هو مرتبط بعقد قران بين شابين وفق ما أتفق عليه مسبقا في إطار احترام الشريعة الإسلامية وعادات وقيم المنطقة الناتجة عن تراكمات و ترسبات لمختلف الحقب التاريخية التي مرت عليها المنطقة 

تختلف المدة الزمنية التي يتطلبها حفل الزفاف بالمنطقة حسب الأهمية التي تعطى له مع اختلاف المناطق، حيث يمكنها أن تدوم أسبوعا كاملا كما يمكنها أن تتعدى هذه المدة أو تنقص، فضلا لما للإمكانات المادية والمالية لطرفي الحفل من تأثير على مدة الأفراح. وعموما يمكن القول أن المدة القصوى هي أسبوع و الدنيا يومين

:أما إجرائيا هناك ثلاثة مراحل للحفل

المرحلة الأولى: ما قبل الزفاف

المرحلة الثانية: حفل الزفاف


لا يمكننا الحديث عن حفل الزفاف دون التطرق إلى المرحلة الأولى والتي تعتبر أساس كل العملية فبدونها لا يمكن أن يكون هناك حفل، ألا وهي مرحلة التحضير لحفل الزفاف وما يشتمله من إعداد وتنظيم وترتيب، وإجراءات خاصة تسبق حفل الزفاف

أ/أولى هذه الإجراءات هي اختيار الزوجة: فكما أنه توجد اختلافات وتباينات جغرافية واجتماعية بالمناطق المختلفة بالولاية، وثراءها كما أسلفنا الذكر ، لاحظنا اختلافا وتعدد طرق اختيار الزوجة وعموما يمكننا ملاحظة أنماط 03 لاختيار الزوجة

ب/ثاني هذه الإجراءات: ويتعلق بما يترتب عن الارتباط الأول و ما يصاحبه من شروط كالمهر أو الصداق، وبعض الأمور الأخرى قد تكون متباينة ومختلفة من منطقة لأخرى

ج/ثالث إجراء متعلق بالتحضيرات المادية والمعنوية من كلا الجانبين: وتخص بالدرجة الأولى عمليات تزيين المحيط والترسيم للسكن خاصة لدى أهل الطرفين، كذلك اقتناء بعض المستلزمات الضرورية للعرس والوليمة من إعداد المؤونة الخاصة بالوليمة كبعض الأطعمة و لمأكولات، الكسكسي، الحلويات. وعموما يمكننا القول بأن المرحلة الأولى التحضيرية تبدأ عند بداية التفكير في اختيار الشريك، وتنتهي في اليوم الذي يسبق يوم الزفاف

مع ملاحظة تخص العملية الخاصة بتوجيه الدعوات للأهل و الأقارب لحضور الحفل. حيث تتنوع الطرق والوسائل المتبعة في ذلك إلا أن الطريقة الشائعة هي الدعوة الشفهية و التي تخص أفراد العائلة كلها، في حين أنه في بعض المناطق يلجأ إلى أن الطريقة التقليدية البحتة والمتمثلة في تسخير شخص مناد يسمى “البراح” يكلف بالمناداة في الأسواق والمشاتي داع جميع الناس لحضور حفل زفاف فلان بن فلان


كما سلف الذكر تبدأ هذه المرحلة بيوم قبل يوم الزفاف، هذا اليوم بالذات أخذ عدة تسميات من منطقة إلى أخرى، حيث يعرف بيوم أو ليلة “الدفعية” لأنه في هذا اليوم أو الليلة يدفع للعروس مهرها إيفاءا ببعض الوعود أو الشروط السابقة مع ما يصاحبها من طقوس وأجواء احتفالية. كما أنه في هذا اليوم ينقلون لوازم الفراش وبعض المقتنيات الخاصة بالعروسة إلى بيتها الجديد أو ما يعرف “بالجهاز” أو “الشورة”

وفي المقابل يقوم أهل العريس بتقديم ما يعرف ” بالهدية ” أو ” المونة ” نسبة للفظ المؤونة وهي عبارة عن ذبح نعجة أو كبش وكمية من الدقيق أو السميد و بعض التوابل ومستلزمات طبخ العشاء من زيت وسمن… إلخ. على أن يقمن النسوة بمباشرة عملية التحضير للعشاء و التي تكون مصحوبة بأهازيج و أذكار ومدائح دينية تزامنا مع أدائهن لأعمالهن

بعد الانتهاء من تقديم العشاء عند أهل العريس ، يبدأ التحضير لعملية ” الدفعية ” وهي عادة أساسية في طقوس الزواج, وتتمثل في تحضير موكب من النسوة والفتيات يقودهن مجموعة من الرجال متجهين إلى بيت العروسة لإتمام بعض الإجراءات و الطقوس الضرورية مثل تقديم ما يعرف بـ “شرط المرأة” والمتمثل عادة في طقم رمزي من الفضة أو الذهب، ثـم القيام بعملية “الحنة” وسط جو من الفرحة مصحوب بالأهازيج و الأغاني الخاصة بالمناسبة. وعند الانتهاء من العملية يبدأ فـي تبادل التهاني والأماني بين الطرفين، ويطلق العنان للرقص والغناء والذي يكون مصحوبا بإطلاق البارود من طرف الرجال، وقد تختلف المدة الزمنية التي تتطلبها هذه الطقوس من منطقة لأخرى كما أن لبعض العوامل الأخرى طرفا في تحديدها بعد ذلك يرجع أهل العريس إلى ذويهم في إنتظار طلوع النهار و البدء في تحضير موكب الزفاف لليوم الموعود

تختلف حيثيات إحياء هذا اليوم من حيث التحضير و الاستعداد لكلا الطرفين، إذ أنه عند أهل العروسة يكون كل شيء قد سوي ولم يبقى سوى إنتظار قدوم موكب الزفاف، عكس الحال لما هو عند أهل العريس إذ في هذا اليوم يكون النشاط أكبر، فبعد ذبح الأضحية وتحضير مستلزمات الطبخ يبدأ التحضير لموكب الزفاف حيث يكلف كل واحد من أهل أو الأقارب بعمل معين خصوصا فيما يتعلق بإعداد وتزين موكب العروسة
بعد تحديد موعد الانطلاق مسبقا و باتفاق الطرفين و عموما إن كان بيت العروسة قريبا فإن موعد الانطلاق دائما يكون بعد الظهر أما إذا كان على مسافة بعيدة فإنه يكون عند الضحى

عادة ما تقوم بهذه المهمة مجموعة من النسوة لهن خبرة في هذا المجال ، يساعدهن فتيات لهن دراية بفن التجميل و تسريح الشعر ، حيث يقمن بإلباس العروسة أجمل الملابس و التي كانت معدة بالخصوص لهذا اليوم, ثم يقمن بتزيينها باستعمال مستحضرات التجميل المعدة محليا من كحل للعيون ، السواك و مستحضرات أخرى فضلا عن عملية الحناء التي قمنا بها في الليلة السابقة ، بعد ذلك يقمن بتزيينها بالحلي و المجوهرات الفضية أو الذهبية

وعادة ما يكون لباس العروسة عبارة عن فستان أو ما يعرف محليا بـ “القندورة” بيضاء اللون تخاط خصيصا لهذه المناسبة ،ثم يسدل عليها ما يعرف بـ “الحايك”وهو عبارة عن غطاء أو لحاف يغطي العروسة من الرأس حتى الركبة بالشكل الذي يمنع الحضور من رؤيتها حتى تزف إلى عريسها. مع ملاحظة أن العروسة عند إحضارها إلى بيتها الجديد تبقى مغطاة الرأس إلى حين موعد زفافها

لإحضار العروسة إلى بيت الزوجية يلزم ذلك إعداد موكب. إذ يعمد مبكرا لتحضير ذلك و عادة ما يكون ذلك عند الضحى, بعد تناول وجبة الغداء ينطلق الموكب الذي يقوده عادة أبو العريس وسط أهازيج النسوة و زغاريد الفتيات المصحوب ببعض أشعار الذكر و الصلاة على النبي الحبيب مع ملاحظة أن أهازيج الانطلاق تختلف عن أهازيج الوصول و الرجوع

عند الوصول و بعد الترحاب بالضيوف و أخذ قسط من الراحة مع شرب القهوة و تناول بعض المأكولات يشرع في تجهيز العروسة للرحيل إلى بيتها الجديد وسط جو ممزوج بالفرح و الغبطة، و الحزن عند أهلها لفراقها
عندئذ يتقدم أبو العريس إلى كنته و يحملها إلى غاية المركب حيث تمتطي حصانا أو توضع في هودج معدا لذلك وهي بكامل زينتها و أناقتها مع ضرورة تغطية الرأس, و يجب علينا أن نتوقف هنا للتطرق إلى عادة تتمثل فيما يعرف بـ ” الشكيمة ” أو ” اللجام ” وهي أن يأتي أخو العروسة و يأخذ بلجام الحصان و لا يترك العروسة تمضي حتى يمنح مبلغا ماليا من قبل أهل العريس مع ما يصاحب هذه العملية من طقوس و عادات, فكلما كانت القيمة زهيدة كلما كان عناد أخو العروسة أكبر وقد تصل الأمور في بعض الأحيان إلى فض العلاقة نتيجة عدم التفاهم حول قيمة “الشكيمة”

بعد ذلك يبدأ الموكب في التقدم وسط دموع العروسة وأهلها وأهازيج أهل العريس ( في بعض الأحيان يلجأن نسوة أهل العريس إلى بعض الأغاني الاستفزازية ولكن في إطار الاحترام المتبادل وعدم جرح المشاعر). ويكون كل ذلك على وقع طلقات البارود و أنغام الزرنة. يصل الموكب في جو كله غبطة وسرور وسط أهازيج ومدائح دينية و أذكار مصحوبة بزغاريد النسوة وطلقات البارود وصخب الأطفال الناتج عن الازدحام و التسابق حول قطع الحلوة و السكر التي قامت برميها عجوز على موكب العروسة، وبعد أن تنزل من على مركبها يحملها حموها إلى غاية عتبة الدار، وهنا تقوم قريبة من قريبات العريس عادة ما تكون خالته أو عمته ببعض الطقوس مثل رش الأرضية التي تسير عليها العروسة بماء الزهر الممزوج بالخل طردا للنحس أو الأرواح الشريرة، ثم تغمس يد العروسة اليمنى بالسمن و مسحها على عتبة الدار قبل إدخالها إلى بهو البيت، بعد أن يعد لها مكان خاص بها في وسط البيت

أما في الخارج وبالساحة المركزية للسكن فيكون هناك تنافس من نوع خاص بين النسوة و الرجال إذ يعمد إلى ربط منديل أحمر على قصبة وتقوم عجوز بتلويح به في السماء متحدية الرجال في أن يسقطوه ببنادقهم ويكون التنافس بين الرجال حادا في من يسقطه الأول مع ملاحظة وهي أنه لابد على الرجال إسقاطه ولو تطلب ذلك استهلاك الذخيرة كلها، وإلا يبقى ذلك عار عليهم

بعد ذلك يذهب كل فريق للمهمة المنوطة به، فتوكل لمجموعة من النسوة البدء في تحضير عشاء العرس ومجموعة أخرى مكلفة باستقبال الضيوف والترحيب بهم أما الصبايا والبنات فلا شغل لهن سوى الغناء والرقص وهكذا حتى يأتي موعد العشاء، أين يشرع في إحضار الطعام في أطباق كبيرة تعرف بـ ” قصعات الكسكس” توضع فوقه قطع من اللحم مع بعض الخضار وتقديمه للمدعوين مع ملاحظة أنه يبدأ بالرجال ثم النساء وفي الأخير الأطفال. بعد العشاء يبدأ التحضير لمراسم طقوس حفلة “الحنة” وهي عادة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها وتدخل ضمن الطقوس الرئيسية للعرس التقليدي

يبدأ التحضير لها مباشرة بعد مأدبة العشاء إذ يقوم ما يعرف بـ “وصفان العريس” بتحضير لوازم ن ومستلزمات حفل الحنة بإحضارهم لبساط عادة ما يكون من الحلفاء مع وضع بعض أدوات الزينة عليه، مع قيام النسوة بإعداد وتحضير الحنة مع ترديدهن لأهازيج وأذكار مصحوبة بدعوة صريحة للعريس عن طريق أغنية خاصة بذلك، عندئذ يتقدم العريس مصحوبا يوصفانه لأخذ مكانه وسط الحصيرة، وهنا يتقدم شيخ من أعيان العائلة ليقوم بعملية الحنة للعريس وسط زغاريد النسوة وطلقات البارود

بعد ذلك يقدم أهل العريس و أصدقاؤه التهاني مصحوبة بالهدايا و التكريم تعرف ب”العون” و هي عبارة عن مبالغ مالية متفاوتة القيمة معلنين عنها جهرا عن طريق شخص يسمى “البراح” وعند سماع كل اسم تطلق زغاريد النسوة، و عند الانتهاء من هذه العملية يبدأ التحضير لعملية زفاف العروسة للعريس

وفي اليوم التالي للعرس والذي تميزه طقوس أخرى، إذ باكرا تكلف العروسة بتحضير طبق خاص يعرف بـ “الغرايف” لاختبار شطارة العروسة في تحضير وطهي بعض المأكولات. بعد ذلك تأخذ العروسة بعد تزينها وإلباسها أفخر ما لديها إلى فناء الدار وإجلاسها في موضع مخصص لها بعد ذلك تبدأ النسوة في تقديم التهاني لها
مع ملاحظة أن أم العروسة تبقى مع ابنتها لمدة تختلف وتتفاوت من منطقة لأخرى، وعند انتهاء هذه المدة يقوم أهل العريس بتحضير وإعداد عادة ما يسمى بـ “رجوع أم العروسة إلى أهلها” والمتمثلة في كسوتها وكبش وكمية من الدقيق قصد تخضير وليمة عودتها

وهكذا تكون آخر مرحلة من المراحل المختلفة لحفل الزفاف التقليدي بمنطقة ميلة


  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.