تحية لروح الفنان القدير حميد شريط “إيدير ” (1949-2020)

حل الجفاف بالبلد واحتار الناس في وسائل المعيشة. يبست النباتات وجفت ضروع الحيوانات فلم تعد الأرض تنبت ما يؤكل ولا الحيوانات تدر الحليب. ثم أصاب الجفاف صدور الأمهات فلم يعد الأطفال الرضع يجدون ما يرويهم فيشتد بكاؤهم. اشتدت الظروف وقست القلوب ولم يعد الأب يعطف على ابنه ولا الأخ يحن على اخيه. أدرك حكماء البلدة ان هذا البلاء له سبب واحد: هناك من ارتكب إساءة في البلدة فنزل البلاء. ولا بد من تكفير عن الإساءة.

دعا الحكماء إلى اجتماع عام (تاجمعت) للتداول في الأمر والخروج برأي سديد. في الاجتماع دعا الجميع من ارتكب إساءة أن يعترف امام الملأ بذنبه ليرفع البلاء. ثم طلبوا ممن رأى إساءة أو سمع بها أن يخبر بما يعلم. انكر كل واحد أن يكون قد قام بإساءة او رآها أو سمع بها.. لم يكن هناك حل.

تناول الحكيم الكلمة أمام الجميع. قال: إذا أصبت فالحمد لله وإذا اخطأت فأستغفر الله. قالوا له تفضل بالكلام. أعلن أنه لا بد من فدية عامة يتحملها الجميع. وافقت الجماعة على دفع الفدية : وزيعة . تشريطت. يشارك فيها الجميع ويأكل منها الجميع. بدأوا بجمع ثمن ثور وذبحوه ووزعوا قطع اللحم على العائلة. كل عائلة تأخذ بعدد افرادها. لا ينبغي أن يحرم منها اي فرد وإلا أصبحت تشريطت باطلة ويزداد البلاء. وأكثر من ذلك لا بد من ترك حصة للمسافر والغريب ومن ينزل بالبلدة على حين غرة. جعلوا ذلك أمانة لدى شيخ من شيوخ القرية يسمى إينوبا.

قامت البلدة بكل الواجبات حسب التقاليد والأصول لكن البلاء لم يرفع. دعا الحكماء إلى اجتماع جديد ولم يجدوا تفسيرا للأمر وحامت الشكوك من جديد. بعد التمحيص تبين أن الشيخ ( إينوفا) الذي ائتمن على حصة الغرباء والمسافرين لم يحافظ على الأمانة بل استغل ثقة الناس فيه وأكل اللحم. حكمت عليه الجماعة بالنفي في الغابة. (بعض صيغ الأسطورة تقول أن الشيخ سرق اللحم فذهبت الجماعة إلى الغابة المقدسة حيث يرقد الأجداد ودعا الولي الصالح الأرض أن تنشق وتبلع من سرق نصيب اليتامى والأرامل وابن السبيل فانشق قبر وأمسك السارق من قدميه. بقي الشيخ إينوفا ثابتا هناك فبنوا عليه كوخا لحمايته من الوحوش وتركوه فيه).

اكل الأطفال من لحم الوزيعة وسكتوا عن البكاء. عاد الحليب للأمهات ودرت ضروع الشياه والمعزات حليبا كثيرا. بدأت النساء يطبخن الطعام. هبت نسمة باردة فلبس الشيوخ برانيسهم وخرجوا إلى الجبل. كانت الغيوم تتقدم بهدوء حاملة الخير. انهمر المطر تحت زغاريد النساء وأهازيج الرجال وصلوات الشيوخ.

كان للشيخ ابنة وحيدة تسمي (غريبة). لم تستطع ترك أبيها وحده في الغابة الموحشة. كانت تذهب إليه في المغارة المحصنة تحمل له الأكل كل ليلة. كان الخوف من الوحش الذي يسكن الغابة لا يضاهيه إلا العار الذي جلبه بتصرفه لنفسه ولابنته لدى أهل البلدة. لكن البنت الشجاعة كانت تحمل الطعام إلى المغارة كل ليلة وتطلب من والدها أن يفتح الباب. يسمع صوتها:

افتح الباب يا بابا ينوبا

فيطلب منها ان تحرك اساورها ليعرف رنتها.

تقول له: أنا خائفة من وحش الغابة (الغول).

فيقول لها: وأنا خائف ايضا.

كنا نرتجف خائفين و نحن نسمع القصة. كل منا يتصور انه يوما ما سيكون في موقف تلك الفتاة بين الرأفة بأبيها والخوف من الغول. ذلك هو الموقف الدرامي الذي أخذه الفنان العظيم إيدير وجعله لازمة لأسطورته أقصد أغنيته الرائعة: أفافا ينوفا.

أخذ إيدير لب الأسطورة التي يحفظها أبناء جيل الحكايات الشعبية ثم بنى عليه أسطورته الحداثية التي قلبت كل الموازين: نقل الحكاية إلى الأغنية. غنى الأسطورة أو أسطر الأغنية وحقق بذلك التحام جمهور عريض بأسطورته. حتى الذين لم يكونوا يفهمون كلمات الأغنية بالقبائلية كانوا سمعوا الحكاية في لغة امهاتهم.

في الحكاية كل يوم تذكر (غريبة) الطفلة لأبيها ما وقع في البيت وما وقع في القرية وتحدثه عن المطر والنباتات والضيوف وكل ما وقع في المدة الأخيرة. يتفطن الغول لحضور البشر في الغابة فيتبع خطوات الطفلة ويعرف السر. يقرر افتراس الشيخ ثم الطفلة. يحاول تقليد الطفلة لكن صوته يفضحه فيتفطن الشيخ إينوفا لمكره. يذهب الغول للمدبر في رأس الجبل فيشير عليه بان يشرب العسل ثم ينام أمام غار النمل ليدخل النمل في حلقه ويقضم صوته حتى يصير رفيعا.يصبح مثل صوت الفتاة تماما ويصنع عقدا من بيضات الحجلة فتصدر هسيسا مثل هسيس أساور غريبة. تنجح الحيلة ويفترس الغول الشيخ لكن الفتاة غريبة تهرب ويتبعها الوحش فتدوس على افعى وهي تجري فتنهض الأفعى من نومها وتجد الغول أمامها. تعتقد انه هو الذي داسها. تلدغه فيموت. تعود الطفلة إلى اهلها وتخبرهم بالخبر ويعرفوا أنه أخذ جزاء خيانته الأمانة وأكله حصة اليتامى والأرامل وابن السبيل…هذا -تقريبا- ملخص الحكاية كما سمعناها في طفولتنا.

أما كلمات الأغنية التي يغنيها الفنان إيدير فهي تصف الحياة في الأسرة القروية البسيطة: الأب يجلس صامتا متلفعا ببرنوسه والزوجة وراء منسجها والأطفال متحلقون يسمعون الحكايات والأم تعد الطعام للعشاء. الفلاح ينظر إلى السحاب وينتظر عاما سخيا. والغابة تتلون بألوان جديدة.

اخرج الحكاية من جوها الخرافي و أدخلها في حياة الناس البسيطة. أسطرة الحياة وتمجيد حياة الناس البسطاء بآلة حديثة (القيتارة) بدلا من البقاء في جو الأسطورة.

عرفت الأغنية رواجا كبيرا في السبعينات من القرن العشرين وكانت نقلة كبيرة في الفن الجزائري عموما وبالنسبة للأغنية القبائلية خصوصا لأنها قدمت في قالب عالمي حديث ينسجم مع كل الأذواق.

افتح الباب يا بابا اينوفا

حركي أساورك يا بنتي غريب

أنا خائفة من وحش الغابة

وأنا خائف أيضا يا بنتي غريبة

الشيخ يتدفأ ببرنوسه في حدته

وابنه مشغول بلقمة العيش والذكريات

والزوجة وراء منسجها

والأطفال يصغون لحكايات الماضي

افتح الباب يا بابا اينوفا

حركي أساورك يا بنتي غريب

أنا خائفة من وحش الغابة

وأنا خائف أيضا يا بنتي غريبة

الثلج خلف الأبواب

والطعام في القدر

تاجماعت تحلم بالربيع

لكن القمر والنجوم مازالت محتجبة

أما حطب البلوط الأخضر

فقط حل محله الصفصاف

والعائلة كلها مجتمعة في البيت

لتستمع لحكايات الماضي

افتح الباب يا بابا اينوفا

حركي أساورك يا بنتي غريب

أنا خائفة من وحش الغابة

وأنا خائف أيضا يا بنتي غريبة

ⵎⵎⵉⵙ ⵢⵜⵀⴱⴱⵉⵔ ⵉ ⵍⵇⵓⵜ ⵓⵙⵙⴰⵏ ⴷⴳ ⵡⵇⴰⵔⵔⵓ-ⵙ ⵜⵣⵣⵉⵏ
ⵜⵉⵙⵍⵉⵜ ⵣⴷⴼⴼⵉⵔ ⵓⵣⵜⵜⴰ ⵜⵙⵙⴰⵍⵍⴰⵢ ⵜⵉⵊⴱⴱⴰⴷⵉⵏ
ⴰⵔⵔⴰⵛ ⵣⵣⵉⵏ ⴷ ⵉ ⵜⴰⵎⴳⵀⴰⵔⵜ ⴰ ⵙⵏ ⵜⴳⵀⴰⵔ ⵜⵉⵇⴷⵉⵎⵉⵏ

ⵜⵅⵉⵍⴽ ⵍⵍⵉ ⵢⵉ ⵏ ⵜⴰⴱⵓⵔⵜ ⴰ ⴹⴰⴹⴰ ⵉⵏoⵓⴹⴰ
ⵛⵛⵏⵛⵏ ⵜⵉⵣⴱⴳⴰⵜⵉⵏ-ⵉⵎ ⴰ ⵢⵍⵍⵉ ⴳⵀⵔⵉⴱⴰ
ⵓⴳⴰⴷⴳⵀ ⵍⵡⴰⵀⵛ ⵍⴳⵀⴰⴱⴰ ⴰ ⴹⴰⴹⴰ ⵉⵏoⵓⴹⴰ
ⵓⴳⴰⴷⴳⵀ ⵓⵍⴰ ⴷ ⵏⴽⴽⵉⵏⵉ ⴰ ⵢⵍⵍⵉ ⴳⵀⵔⵉⴱⴰ

ⴰⴷⴼⵍ ⵢⵙⵙⴷ ⵜⵉⴱⴱⵓⵔⴰ
ⵜⵓⴳⴳⵉ ⴽⵛⵎⵏⵜ ⵢⵀⵍⵓⵍⵏ
ⵜⴰⵊⵎⴰâⵜ ⵜⴻⵜⵜⵙⴰⵔⴳⵓ ⵜⴰⴼⵙⵓⵜ ⴰⴳⴳⵓⵔ ⴷ ⵢⵜⵔⴰⵏ ⵀⵊⴱⵏ
ⵎⴰ ⴷ ⴰⵇⵊⵎⵓⵔ ⵏ ⵜⴰⵙⵙⴰⴼⵜ ⵉⴷⴳⴳⵔ ⴰⴽⴽⵏ ⵉⴷⵏⵢⵏ
ⵎⵍⴰⵍⵏ ⴷ ⴰⵟⵜ ⵡⴰⵅⵅⴰⵎ ⵉ ⵜⵎⴰⵛⴰⵀⵓⵜ ⴰⴷ ⵙⵍⵏ

ⵜⵅⵉⵍⴽ ⵍⵍⵉ ⵢⵉ ⵏ ⵜⴰⴱⵓⵔⵜ ⴰ ⴹⴰⴹⴰ ⵉⵏoⵓⴹⴰ
ⵛⵛⵏⵛⵏ ⵜⵉⵣⴱⴳⴰⵜⵉⵏ-ⵉⵎ ⴰ ⵢⵍⵍⵉ ⴳⵀⵔⵉⴱⴰ
ⵓⴳⴰⴷⴳⵀ ⵍⵡⴰⵀⵛ ⵍⴳⵀⴰⴱⴰ ⴰ ⴹⴰⴹⴰ ⵉⵏoⵓⴹⴰ
ⵓⴳⴰⴷⴳⵀ ⵓⵍⴰ ⴷ ⵏⴽⴽⵉⵏⵉ ⴰ ⵢⵍⵍⵉ ⴳⵀⵔⵉⴱⴰ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.