يعرف كثير من الناس الأغنية الشهيرة التي أصبحت علامة على المالوف القسنطيني وهي (البوغي).


لكن من يعرف قصة البوغي؟ يقول الباحثون أن القصة رغم شهرتها ما تزال محاطة بالكتمان حتى الآن. من جهة لأنها واقعية وبعض العائلات التي تعنيها الأحداث ما تزال موجودة حتى الآن ومن جهة أخرى لأن هذه القصة ارتبط فيها الفن بالحب وبالموت أيضا مما جعل روايتها محفوفة بالمخاطر : التحريم والمنع والاتهام رغم أنها تغنى في أعراس العائلات ويترنم بها كبار أساتذة المالوف.

وقد جرت أحداثها بين مدينة قسنطينة وعنابة في القرن الثامن عشر في عهد الاحتلال. فالشاعر علي بن جابلله كان مقيما بعنابة ولكن أصله من سكيكدة وهناك حي بمدينة عنابة كان يحمل اسمه إلى اليوم حي علي بن جابالله. والسيدة موضوع القصيدة(نجمة) من قسنطيمة.

ولعل التاريخ يعيد نفسه بشكل رمزي على مستوى آخر. ففي منتصف القرن العشرين وعشية الثورة التحريرية وقعت قصة أخرى كانت موضوع عمل أدبي جميل هي رواية “نجمة” لكاتب ياسين. الكاتب من قسنطينة ونجمته من عنابة وهي زوجة أحد اقربائه. ويتحدث كاتب ياسين عنها واصفا الأمر ب(الحب المستحيل).
ومنذ عقد من السنوات صدرت مقالات في الموضوع ورسائل جامعية تناولن القصة بالتحليل. ولكن ما تزال القصة لم تكتمل فصولا. ولعل الرواية الكاملة للقصة هي الرواية التي يتضمنها النص الشعري المغنّى نفسه. فهذا النص يسرد وقائع يرد بعضها في الحكايات المتداولة وتغيب وقائع اخرى. فالمتن الشعري هو الأصل وهو الذي حفظ القصة بما تتضمنه من معاني. وأوصلها إلى نطاق واسع من الجمهور من كل العصور والأعمار.
التسمية نفسها تحتاج إلى توضيح. فكلمة البوغي -رغم شهرة الأغنبية بها- لا وجود لها. وهي تحريف لكلمة “البُغية” الواردة في مطلع القصيدة الشهيرة (بالُبُغيَة تقوى غرامي) فما قصة (البغية) هذه؟
تقول بعض الروايات أنه كانت في مدينة قسنطينة عادة كريمة تحدث مرة في السنة وهي أن تخرج نساء العائلات الكبيرة الموسرة إلى المدينة فيقمن بجمع المال من العابرين ثم يعطين هذا المال لفقراء المدينة. هذه العادة تسمى البُغية أي (طلب الصدقة للغير). وربما كان المال المحصل هو البغية.
تسجل القصيدة في مطلعها أن بداية الأحداث كانت بهذه المناسبة. (بالبغية تقوّى غرامي). وتورد بعض الروايات أن “نجمة” كانت سيدة راقية من كريمات المدينة نزلت مع نساء قسنطينة لأداء “واجب” التسول من أجل الفقراء فمر بها شاعر زجّال من مدينة عنابة اسمه علىّ جابالله بن سعد يزاول عملا عاديا في المدينة. وربما يغني في بعض أعراسها. ربما كان أجدر أن يتلقى المال من تلك السيدة الجميلة لكن الذي وقع كان عكس ذلك تماما إذ أنه اما جمالها الباهر أعطاها كل ما جمعه من مال وتبادلا بعض الكلمات فأخبرته أنها متزوجة ولا يحق لها أن تكلم الغرباء. لكن وعدته بالصداقة.
مرت الأيام والشاعر يتجول في المدينة منشدا طروبا حتى صادف أن كان في جماعة أصدقاء من أكابر المدينة يخرجون عادة لضواحي المدينة فيقضون أوقاتا في اللهو والطرب ودعوه إلى جلستهم لمهارته في الغناء والعزف. وفي لحظة من لحظات الجلسة بلغت النشوة مداها فأخرج كل منهم شيئا يفخر به على أنه هدية حبيبته التي تحبه وأهدته إياه تعبيرا عن حبها ثم يذكر اسمها ويرميه في طبق موضوع في وسط المجلس (طبق الرشق). ووصل الدور إلى عليّ جابلله فقال إن له حبيبة في المدينة فطلبوا منه أمارة تدل على ذلك. وعدهم بان يأتي بالأمارة في قابل الأيام. أرسل رسالة مكتوبة لنجمة حملتها إليها امرأة يهودية تحسن كثيرا من الصنايع تدخل بها كثيرا من البيوت منها أنها قابلة وخياطة ومربية بنات. كانت هي مربية نجمة. قالت لها من حسن حظك انك تقرئين فتأتيك الرسائل وتقرئينها في صمت فلا يسمع بالقصة أحد ولا يعيد الخبر فتشيع بين الناس.
تروي القصيدة انه لم يطلب منها شيئا محددا بل أخبرها بما وقع له وقال لها (اعطيني ما يناسب ويوالم) لأنه كان غريبا عن المدينة ولم يكن يدري ما يطلب بالضبط. ضربت لشاعرها موعدا عند نافذتها. قصت نجمة خصلة من سالفها الطويل ورصعته بدرة من أجمل الدرر وربطته بحزامها ودلّته من النافذة للشاعر الذي كان ينتظر في الأسفل. أخذ الأمارة وعاد إلى جلسات الشبان مزهوا بكنزه الثمين.
حين وصل إلى المجلس احتفى به الحاضرون وسألوه إن كان أحضر البرهان. فأجاب بالإيجاب. وأخرج الدبلون (درة وسط الحزام) من جيبه. وهنا تتفرع الروايات ويبدأ التحول الدرامي. فالرواية الأولى تقول أن أحد الحاضرين كان من عائلة نجمة الكريمة ولعله قريب زوجها وتعرف مباشرة على الدبلون الذهبي فالعائلات تنفق مالا كثيرا لشرائه دلالة على المكانة الاجتماعية. ويمكن لأبناء العائلة الواحدة أن يتعرفوا على جواهرها. وربما كان يحمل نقشا ما. وبمجرد أن عرف ذلك نشبت معركة في المجلس وهدد هذا الرجل الشاعر بالقتل. ورواية أخرى تقول أنهم طلبوا منه ذكر اسم حبيبته فذكره كاملا وهنا عرف الحاضرون اسم العائلة الشهيرة وشاع الخبر.
كان للشاعر جابلله صديق نصحه بأن يغادر المدينة فورا (انقل روحك تا سوايع – لا يروح لحمك وزايع) أي أن ينفي نفسه ويخرج من المدينة لئلا يقطّع إربا إربا. فخرج في الظلام وسار قافلا إلى عنابة وحيدا خاليا من الزاد. يصف الشاعر نفسه في القصيدة فيقول (نجوب القفار والسالف زادي) خرج بلا عوين ولا مؤونة. كل ثروته تتمثل في خصلة الشعر ومعها الدرة الثمينة. عاد إلى مدينته عنابة واستقر هناك وأعلن توبته عن الشعر والخمر والنساء وربما عن السفر على عادة السندباد : يعلن توبته بعد كل رحلة. لكن ما يلبث أن يعود إلى السفر والمغامرة متى دعاه داعي الرحيل. وهذا ما وقع بالضبط للشاعر علي بن جابلله. بعد ثلاث سنوات جاءته دعوة من نجمة ليحي حفلة ختان ابنها.
تقول بعض الروايات أن نجمة بعد رحيل الشاعر علي بن جاب الله أصيبت بوسواس ولم تجد راحتها إلا لدى القزانات (المرابطات) تذهب إليهن للاستشارة فيخبرنها بما وقع لصديقها الغالي. لم تكن تعلم بشيء مما جرى. وأخبرتها أحدى القزانات (المرابطات) أنه سيعود إليها وستلتقي به في لمة كبرى لكنها لا تعرف إن كانت عرسا أم مأتما. أوحى لها ذلك بفكرة وبخطة للقاء به ومشاهدته على مرأى ومسمع من الناس. فأرسلت إليه لإحياء حفل ختان ابنها. ما ان وصل الرسول وأعطاه البشارة حتى هبّ مسرعا للسفر. يقول في القصيدة ( وصلت لمدينة الهوا عقلي طاير). مدينة الهوى والهواء هي مدينة قسنطينة. سأل عن صديقه القديم وأخبره بالخبر فأشار عليه أن يتريث لأن في الأمر مغامرة على قدر من الخطورة. ولكن الشاعر لم يكن ليهتم كثيرا بتحذيرات صديقه الوفي الذي رافقه للحفل من باب الاحتياط.في الحفل غنى الشاعر قصيدته التي تروي قصته كاملة. وفي منتصف القصيدة ذكر اسم نجمة. معاتبا ومعتذرا:( نجمة يا نجمة ما بقالك صواب في اللوم عليا).انتهى الحفل وانتهت القصيدة. لكن القصة التي بدأها في الحفل لم تنته بنهايته. بل أدركته قصته وهو يهم بالخروج. أخفى زوج نجمة فردة حذاء الشاعر ليرغمه على التأخر عن الخروج. فانشغل الشاعر بالبحث عن فردة حذائه غافلا عما دبر له. حتى انصرف الناس. وهنا انفرد الزوج الموتور بالشاعر مع أهله وقتلوه. لم يستطع صديقه إنقاذه. وللقصة خاتمة أخرى يرد ذكرها في بعض الروايات تفيد أن الشاعر خرج مع صديقه لكن أهل نجمة تعقبوهما وقتلوهما في واد خال ( يسمىديه في القصيدة : القطايع). ولم تنتهي القصة بعد. فنجمة لم تتحمل الأمر ولذلك أخذت ابنها المختّن للتوّ في يدها ورمت بنفسها من شرفة البيت. وفاء لحبيبها ورفضا لعالم لا يقبل الحب. أو مصداقا لما قالته القزانة: (لا أعرف إن كان عرسا أو مأتما).بل العرس بلا حب مأتم. تلك هي الرسالة الجمالية النهائية للقصيدة التي ما زالت تغنى في الأعراس في هذه المدينة العريقة وفي مناطق كثيرة من الشرق الجزائري.في شبابنا كنا نسمع الفرقاني ونطرب للحن وللصوت العبقري وللقصة التي يتضمنها النص لكن قلما ننتبه للمأساة التي يتضمنها. غير أن الاستماع للأغنية يعطيك نشور لا تدري مصدرها ويترك مذاقا لا تدري كنهه أهو حزن أم فرح؟ هل كنت في عرس أم من مأتم؟اعتمدت مراجع متعددة في بناء تفاصيل القصة ونص القصيدة

قصيدة البوغي
كما غناها الحاج محمد الطاهر الفرقاني

انا بالبغية تقوى غرامي
أهلكني يا سابغ الشفر نتبع في مرضك والع
بعد ما رقدت همومي
وتبت على لريام والخمر قلت انا لله راجع
لمنين بعثتي سلامي

وجاء ليا مرسول بالخبر حدثني بلفظ الشنايع
عدت نخمم في نجامي
و هف العقل ولا وجد صبر سقطوا من عيني لمدامع
والعقل يغدى ليه وسايع
الله يا سود الريامي
*
يا من يفهم ذا الجواب يصنت ليا
نعلمكم ما يصير على كحل الحاجب
عدينا زهو أنا وولفي في الدنيا
لا يلزم بي نحبس عن أمري يا صاحب
نعلمكم قصتي وسبايب ذا النفية
هودت للبستان نغسل عقلي طارب
نلقى جماعة زاهيين نادوا علي
حلفوني باليمين جزت لقداهم نزارب
نلقى خوذ مشهرين وصفرة منشية
كلهم متماثلين أولاد مضارب
كل آخر اجبد سالف ولفه يا خويا
و انا الممحون صار دمعي يتساكب
فزيت في الحين يتلاعبوا رجليا
غيبت على اقداهم وجزت للزينة زارب
قلتلها جيتك بغيظ ناري مقدية
تعطيني ما يوالم ويناسب
قالتلي والله ما يفيدك بخلف القطاية
اديها وافخر على جميع من يصاحب
ضفرتها لي بالجوهر النفوسي من غاية
حطت فيها حجرتين كالبرق اللاهب
دربتها لي بالحزام ل ن وصلت ليا
كمثل الثعبان صرت نمشي و نزارب
حين وصلت شور الرجال أغمي عليا
قالوا لي وين غبت عنا يا صاحب

قلت لهم ابطل ملامي
وهدف ليا فكر كالبحر جاني بالموجات دافع
بحر الحب غليلي طامي
وسالف نجمة سابغ الشفر ل ن دهشوا ذوك الربايع
لثرني من الزهو ل يامي
*
أكمي سري حتى أنا نوجد الخبر راك انعدمت يا الضايع
ظهرت ما كان من كلامي وراهم قبلك صربة الخداع
انقل روحك تا سوايع ليغدى لحمك وزايع
الله يا سود الريامي
*
لما راد الله فراقها جا وفى الضمر
مدة ثلث سنين غريب جاي على البلدي
بعتتني زاود للمرفع الخاطر
نبغيك ذا الفجر على غاية العهدي
راه النوم بعدني وعادت الليالي لا تقصر
بوصولك يكمل هنايا يا ضو الثمادي
تحزمت وقلت يا مغيث المسافر
يا ربي سلتك بحرمة النبي الهادي
و اذا نفذ قضاك من حكمك اصبر
و السابق في الجبين مكتوب ينادي
الموت بالأجل والشنايع تتفاخر
مخلي الشيعات يوصلوا لكل بلادي
يجسوا لها و يجيبوا الأماير
قصدت بجوب القفار والسالف زادي
حين وصلت لمدينة الهوى عقلي طاير
اقدمت على الموت في رضى نجمة مرادي

وانا ادخلت عقب الظلام
اقصدت رفيقي و صاحبي على الغفلة المساهر فاجع
سلمت وقبل سلامي
و ذيك الساعة اعلنت له الخبر قال انا لرضاك طايع
واختار الي يلب بدمي
وسرنا لها سابغ الشفر هي توعد كل جامع
و دخلنا في نارين طلامي
و في عدت عشرين أو اكثر اعلمتهم غيض المسامع
قام الصوت شفيف و رافع
الله يا سود الريامي
*
نجمة يا نجمة ما بقى لك صواب في اللوم عليا
راني غديت لقداك في الشنايع والباطل
اتبقاي بالخير يا المتهومة بيا
هذا آخر وداعنا والوعد اكمل
كرهوني يا الزهو خاطري ناسك بغضية

لا يلوم غرض خلف ولا مشغل
رضى وقالت لي قوم الحسود شفايا فيا
لو ما انت ما نتكره في سبت راجل
وأنا منهم حرامي
و ناس باعوا نيفهم خسار باعوني صف المضايع
الله يا غيد الريامي
و صاحب سنة ولا تحدثوا و ان كان الخنى و فادع
والرجلة تحضر سوايع
الله يا سود الريامي
*
يا ناري جناوني بحجة بطالة
نستحذر قداش ما نفع شي من حذري
وين هو حديث لاتساع و كلام الغفلة
حين وصلت شور المضيق بكاني شفري
صحابي دنوا سلموا قالولي لا لا
عرفوا صوح المضيق فيه يتوفى عمري
وين الي قالوا نقتلوا على جاب الله
واحد في العشرين شد في الفتنة نظيري
و انا منهم حرامي
وناس باعوا نيفهم خسار باعوني صف المضايع
الله يا غيد الريامي
*
نوصيكم يا انس الحضر واذا كان الامر واقع
قولوا لها سبة غرامي
و ثان قدامي سابغ الشفر و أنا بالعشق والع
ولو يصفروا قدامي
وعن جالك يا سيدة الحضر
الي تقطع نحرها نايم
بعدما نقرا سلامي
العزة بكل لمن حضر
حار دليلي و صرت حاير
الله يا سود الريامي
*
ومن بعد السبغة
حتى للمحبة نتفارقوا
لا تاخذ شي بالشنايع
وقدا حديث القضايع
الله يا سود الريامي

تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.