منتدى: فضاء الركح

دفتر العدد الثالث: التكوين الفني في الجزائر.. بين ما هو كائن وما يجب أن يكون

 

بتاريخ الاثنين الثالث عشر من أبريل 2020، أقيم العدد الثالث من منتدى “فضاء الركح” تحت الرعاية الكريمة لمسرح بسكرة الجهوي، وشهد الموعد نقاشات مستفيضة حول ثيمة “التكوين الفني في الجزائر.. بين ما هو كائن وما يجب أن يكون”
وشهد العدد مناقشة مستفيضة شارك فيها الأساتذة:
أ. رابح هوادف
أ. محمد إسلام عباس
أ. صبرينة دراوي، فضلاً عن حضور مميّز للأكاديمي الجزائري المغترب؛ الدكتور يوسف مجقان المتخصص في فنون الخشبة؛ الذي طرح رؤية نوعية للمشهد العام
بداية، ركّز المشرف أ. رابح هوادف على مسارات التكوين الفني في الجزائر منذ تأسيس أول مدرسة للفنون الدرامية بسيدي فرج في سبتمبر من عام 1964؛ وقطع الجزائر خطوات جبارة وعدة أشواط لافتة على صعد الرسكلة والمرافقة لأجيال من الخائضين في دروب التكوين ضمن فضاءات المسرح والموسيقى والفنون التشكيلية
في المقابل؛ أشار أ. هوادف إلى معاناة منظومة التكوين الفني المستمرّة من نقائص ونقاط ظل؛ بالتزامن مع الجهود الضخمة التي بذلتها الدولة؛ والمبادرات التي واظبت أكثر من جهة على دفعها
ولأنّ ما أنجز؛ يبقى محض خطوات في رحلة الألف ميل، طرح أستاذ المنهجية في معهد برج الكيفان، السؤال الكبير: ما هي السبل الممكنة لعصرنة وتفعيل منظومة التكوين الفني في الجزائر؟
نوّه أ. هوادف إلى أهمية التكوين الفني في إنضاج الذائقة الجمالية الجمعية؛ وليس مجرد تلقين مبادئ فنون العرض من التمثيل ونظرية الدراما والتعبير الجسدي؛ والتشكيل والعزف والتصوير والاضاءة وغيرها
وأبرز أنّ استكمال المنجز التكويني يكون عبر فعل ورشي متعدّد، يعمل المؤطرون من خلاله على النهوض بالإبداع لدى مجموعة من الناشطين والمساهمة في إعداد كوادر قادرة على التفاعل وممارسة ثقافة الحوار والتواصل، وتشجيعهم على ممارسة المسرح لأجل تطوير قدراتهم وزيادة تجربتهم، لتكوين جيل يُثري عطاءات الحركة الفنية
بدوره، تساءل الدكتور محمد الأمين بحري: “لماذا لا تكون هناك بعثات من الخارج لتأطير الورشات في كل جوانب المسرح وفنونه، سواء في العاصمة او في المسارح الجهوية، معتبرًا أنّ المشكل الكبير الآخر هو تأطير أبناء الجنوب المحرومون دوما من فرص التكوين كالتي يحظى بها أبناء العاصمة وضواحيها في المركز ؟؟؟؟”
وتابع: “لماذا لا يكون للمعهد الوطني لفنون العرض وإطاراته جولات تكوينية لورشات خارج العاصمة، أو بعثات وطنية ودولية دورية لأبناء الجنوب، أم أنّ نشاطه كمعهد وطني داخلي يقتصر على العاصمة فقط؟؟؟، وهل انتبه المسرح الوطني لهذا الخلل في التوازن (خارج الورشات التي ينظمها مشكوراً موازاة مع مهرجاناته السنوية طبعًا)
وضمن فقرة استمرت لما يربو عن 3 ساعات ونصف، جرى عرض مداخلة بنظام “التحاضر عن بعد” للمتخصص في فنون الخشبة، د. يوسف مجقان الذي أشار إلى أنّ الدراسات المسرحية في الجزائر، لا تزال مكبّلة في نطاقي دراسة تاريخ المسرح، ونشأة المسرح الجزائري والأعمال والشخصيات
ورأى د.مجقان بوجوب الانتقال إلى نقطة محفّزة تكفل الخروج من زاوية التاريخ، مشيرًا إلى أنّ الراهن يفرض البحث الهادف في حقيقة المعرفة العامة والأنثروبولوجيا بكافة أوجهها، والانتقال من تشكلات الممثل إلى تمظهرات العرض، وتمكين الممثلين من اكتساب ثقافة التحليل واستكشاف جوانب أخرى تساعدهم على انفتاح أرواحهم وتطوير ملكاتهم، وتحويل الدراسة إلى عنصر مثير مؤثر تقود إلى التطبيق
وأيّد مجقان ضرورة تمكين الدارسين للفنون بشكل عام والمسرح خاصة، لمفاهيم ومبادئ أساسية، كالتخطيط لاستقصاء المصادر الذاتية عند الممثل وتنمية الحواس (الملاحظة – التركيز، التخييل)، واستجماع الوسائل العامة للممثلين: تكوين العلاقة الذاتية بالفعل، إيمان الممثل بالأفعال، الفعل الشفوي والفعل الجسدي، عمل الممثل على إيجاد هدف لعمله، الوصول إلى الهدف، وجوب إيمان الممثل بأفعاله على الركح، تكوين باعث الأفعال الجسدية للممثل، تسمية الهدف والوصول إليه، ما وراء النص، ومراحل الدخول في علاقة، والتشخيص بالفعل، إضافة إلى تصوير الشخصية ورسمها من الداخل والخارج وتحليلها
وفي مقاربته، ركّز الفنان محمد إسلام عباس صاحب مسار تكويني على مدار 19 عاما في المعهد العالي لمهن فنون العرض والسمعي البصري ببرج الكيفان؛ على ما يلي
1 – نقص كبير في التأطير؛ خصوصا في التخصصات التالية: فن الإلقاء، التعبير الجسماني؛ الفروسية؛ التربية الصوتية؛ السباحة؛ فن المبارزة، كل هذه التخصصات هامة لدارسي فن التمثيل؛ لكن مع الأسف لا تزال منظومة التكوين الفني تعاني من نقص كبير
وسجّل عباس وجود هواجس بالجملة بالنسبة للمتخرجين كل عام؛ فكل دفعة تصطدم بغموض ما بعد استكمال المسار التكويني؛ والطلبة يتساءلون عن وجهتهم: أين يذهبون بعد تخرجهم؟ وهم في حالة مستمرة من التشتت؛ فبعد تلقيهم تكوينا أكاديميا يصطدمون بواقع مر؛ ويراد لهم الاصطدام بكل من هب ودب في الميدان؛ وهذا أمر مؤسف نرجو أن ينتبه له الأوصياء؛ وتتداركه الجهات الرسمية
ونوّه عباس بتوليفة الماستر كلاص التي جرى استحداثها على مستوى المسرح الوطني الجزائري منذ أكتوبر 2016؛ هي تجربة فريدة ورائعة؛ لكن أقول وأعيد أن أي تكوين وأي ورشة؛ إذا لم ينبني كٱلية عملية نموذجية تتكامل مع الفريق المكون؛ لن تسمح بجني الثمار المرجوة؛ وعلى نحو يجعل التكوين ناقصا ومقصورا عن بلوغ المأمول
وأشاد عباس بالمبادرة التكوينية التي افتتحها مسرح بسكرة الجهوي في فيفري الأخير من خلال التربص طويل المدى الذي يشتمل على 4 فنون أدائية؛ والممتدّ إلى غاية أكتوبر 2021
وقال عباس: “هي ورشات هائلة ونموذجية تسمح باستكشاف ورسكلة مواهب ما لا يقل عن 6 ولايات جنوبية؛ وتتيح تكوينا مستمرا ونوعيا في فنون التمثيل والإخراج والسينوغرافيا والكتابة الدرامية”.
من جهتها، ذهبت الممثلة المخضرمة صبرينة دراوي إلى أنّ التكوين الفني في الجزائر بحاجة إلى طروحات مغايرة يتم فيها تعميق التكوين واستحداث تخصصات جديدة والانفتاح على كل ما هو مستجد عالميا؛ كما يجب توظيف التكنولوجيات الحديثة؛ وتكثيف التكوينات التطبيقية؛ مع تكثيف الاحتكاك بين المتكونين والممارسين

ورأت دراوي أيضًا بوجوب “إدخال المعهد العالي لمهن فنون العرض والسمعي البصري فعليًا تحت وصاية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي؛ حتى يتم الارتفاع بالمضامين البيداغوجية؛ وفتح ٱفاق الدراسات العليا”

واقترحت كذلك يجب فتح ملحقات لمعهد برج الكيفان في سائر المدن؛ مع تشجيع توأمة أقسام الفنون بالجامعات مع المدارس المتخصصة وسائر المسارح ودار الأوبرا؛ فضلا عن دور السينما والفرق “
وفي مداخلة متصلة، طرح الأستاذ رابح هوادف، موضوعة التكوين الفني في الجزائر، متكئًا على أنموذج معهد برج الكيفان، ولاحظ أنّه منذ تأسيسه في خريف عام 1964، ظلّ معهد الفنون ببرج الكيفان عرضة لكل الهزات والتقلبات التي شهدها على مدار خمسة عقود ونصف
وأوعز أ. هوادف: المثير أنّه ليس هناك معهدٌ في الجزائر جرى تغيير تسمياته، مثل الذي حصل لمعهد برج الكيفان الذي عرف تحويلاً في مسمياته، بواقع ست مرات كاملة، كما اتسم بمزاوجته بين وصايتي وزارتي الثقافة والجامعات
وكانت أولى خطوات معهد برج الكيفان في ساحل سيدي فرج غربي الجزائر العاصمة، حيث جرى تأسيس المدرسة الوطنية للفنون الدرامية على يد الراحل مصطفى كاتب (08 جويلية 1920 – 28 أكتوبر 1989) أيام كان مديراً للمسرح الوطني الجزائري، وجسّد كاتب الخطوة في الرابع أكتوبر 1964 رفقة مديره الفني الفقيد محمد بودية، بهدف كبير: تكوين ممثلين مسرحيين
وجرى افتتاح المدرسة بواسطة عناصر محلية وكفاءات أوروبية ومشرقية هامة جداً، وبإشراف عام للمخرج الفرنسي هنري كوردرو ومساعدة مواطنه جان ماري بوقلان، والمصري سعيد زهران بالتنسيق مع مصطفى كاتب، وتمّ تبني المنهج الفرنسي في التكوين، وهو واقع ظلّ قائماً إلى غاية ثمانينات القرن الماضي
عام 1965، جرى نقل مقر المعهد إلى برج الكيفان، وجرى استبدال تسمية المدرسة الوطنية للفنون الدرامية بالمعهد الوطني للفنون الدرامية، الذي تخرّجت منه أول دفعة ضمّت: محمد آدار، أحمد بن عيسى، زياني شريف عياد، سعيد بن سالمة، زهير بوزرار، الراحلة صونيا وغيرهم، علما أنّ الانضمام إلى المعهد لم يكن مشروطاً بمستوى دراسي معين، وشهد تركيزاً على ضمّ أبناء الشهداء، وكان ختام التكوين مشفوعاً بشهادة نهاية الدراسة كشهادة تقنية في الوظيف العمومي وليس كشهادة علمية
في سنة 1968، وبشكل متسارع جرى تغيير تسمية المعهد الوطني للفنون الدرامية، إلى المعهد الوطني للتنشيط الثقافي والرقص الكوريغرافي، وتمّ استقدام التقني الروسي نيكولاي ساشا، إضافة إلى المصمم البلغاري جورج أبرانشاف ومواطنته لودميلا رانسكوفا، فضلاً عن مرافقين فرنسيين على آلة البيانو، لتكوين منشطين وراقصين جرى إشراكهم في إحياء المهرجان الثقافي الإفريقي الذي احتضنته الجزائر في صيف عام 1969
هذا الوضع استمر إلى غاية صدور الأمر الرئاسي رقم 40. 70 المؤرخ في 12 جوان 1970، وأدى إلى تغيير التسمية بحيث صار المعهد الوطني للفنون الدرامية والكوريغرافيا بأمر رئاسي، مع الإشارة إلى أنّ المسرح الوطني الجزائري هو الذي كان يسيّر كافة شؤون المعهد المالية والقانونية إلى غاية الأمر الرئاسي المذكور، قبل أن يرفع يده نهائيًا، وتتولى إدارة المعهد كافة المسؤوليات
في المرحلة ما بين 1970 و1974، جرى الانتقال إلى تكوين الممثلين والراقصين والموسيقيين، وهي فترة شهدت تدعيم طاقم التدريس في المعهد بالفنان المصري الراحل كرم مطاوع ومواطنيه ألفريد فرج وسعد أردش، لكن شهادات موثّقة تشير إلى أنّ التكوين كان محدوداً، بيد أنّه سمح بتخريج فنانين تركوا بصماتهم لاحقاً أمثال: جمال مرير، حميد رماس، مصطفى عياد، ودليلة حليلو
الحاصل أنّه اعتباراً من سنة 1974 وإلى غاية عام 1985، تخلى معهد برج الكيفان عن تكوين الممثلين، واكتفى بإعداد دفعات من المنشطين الثقافيين، وذلك أثّر على حضور المعهد مهنياً
في مطلع الثمانينات، اهتمّ المعهد بتكوين المصورين الفوتوغرافيين، قبل أن تتكفل الشقيقتان حميدة وفوزية آيت الحاج بعد عودتهما من الاتحاد السوفياتي السابق، بتكوين دفعة جديدة من الممثلين وفق المنهج الروسي، بدايةً من الموسم الدراسي 1985- 1986، مع إقحامهما مقاييس المبارزة والسباحة والجمباز والفروسية لأول مرة
وبموجب اتفاقية تعاون بين الجزائر وكوريا الجنوبية، جرى افتتاح ملحقة متخصصة في فن السيرك بوهران عام 1989، وكانت هذه الملحقة تابعة لمعهد برج الكيفان، تماماً مثل ملحقة باتنة، لكن كلا الملحقتين توقفتا بعد أقل من سنتين، رغم نجاحهما في تكوين العشرات من الممثلين وفناني السيرك.
وبالتزامن مع الاستمرار في تكوين المنشطين الثقافيين (مرسوم 315. 91/ المؤرخ في السابع سبتمبر 1991)، واستئناف تكوين الممثلين، تحوّل اسم المعهد سنة 1991 إلى المعهد الوطني العالي للفنون الدرامية، وحصل ذلك بعد إضراب طويل شنّه طلبة التمثيل للحصول على شهادة ليسانس في التمثيل بدل شهادة الكفاءة المهنية التي كانت تُمنح في السابق
وتسبّب حريق غامض أتت على مكتبة المعهد الثرية وتجهيزاته، في إرغام الإدارة على مواصلة التكوين بحي الكثبان المحاذي، قبل إغلاق المعهد كليا بقرار وزاري عام 1993
في 23 جوان 1995، جرى تعيين المرحوم أمقران حفناوي مديراً جديداً للمعهد الوطني للفنون الدرامية (استعاد تسميته القديمة)، والتحق في التاسع ديسمبر من العام ذاته، 19 طالباً في تخصصي التمثيل والنقد المسرحي، بعد نجاحهم في مسابقة الانتقاء
وخلافاً لما ظلّ يطبع مرحلة 1964 و1993 من ارتجال وهجينية في إعداد البرامج التكوينية، وفق ما هو موثّق، جرى الاتكاء اعتباراً من سنة 1995 على برنامج بيداغوجي قارّ توافقت عليه وزارتا الثقافة والتعليم العالي والبحث العلمي، ونصّ على مسار دراسي يستمر خمس سنوات بشهادة الدراسات العليا في الفنون المسرحية
وبإشراف طاقم جزائري مطعّم بوجوه روسية مصرية وعراقية، ضمّ البرنامج عدة مقاييس نظرية وتطبيقية مثل: فن الممثل، الموسيقى، الإلقاء، نظرية الدراما، مدارس الإخراج، تاريخ المسرح، تاريخ الفن، علم الجمال، فلسفة الفن، السينوغرافيا، الكوريغرافيا، التصوير، الرقص المعاصر، ناهيك عن ورشات أسبوعية في السينما، المبارزة والإعلام الآلي
وتدعّم المعهد عاماً من بعد بتخصص السينوغرافيا، كما واصل تكوين الطلبة في دفعات التمثيل والإخراج والنقد إلى غاية سنة 2004 التي صار فيها يسمى المعهد العالي لمهن فنون العرض والسمعي البصري
وأتى ذلك إثر قرار خليدة تومي وزيرة الثقافة آنذاك، بجدوى استنساخ تجربة معهد فنون العرض في بروكسل وجرى إقحام شعب جديدة متمثلة في: مساعد إخراج، سكريبت، التركيب والتقاط الصورة
واتسم تكوين النقاد في معهد برج الكيفان، بعنصري المعايشة والتطبيق، ففضلاً عن المواد المشتركة مع الممثلين، يتسنى لطلبة النقد مواكبة التمارين المسرحية وإعداد سائر العروض، ما منح للمعنيين هامش إدراك الصنعة المسرحية
وتميّز معهد برج الكيفان بتكثيفه لورشات (الوورد شوب) التي صارت حاضرة في المهرجانات، قبل أن يتبناها المسرح الوطني الجزائري تحت مسمى دورات الماستر كلاص اعتباراً من 2016.
واعتباراً من السنة الجامعية 2015-2016، منحت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي رخصة التدريس بنظام الألمدي لمعهد برج الكيفان، وصار المعهد يقع تحت مسؤولية وزارة التعليم العالي من حيث البرامج البيداغوجية، ووزارة الثقافة من حيث التسيير والمالية.
لكن بعد انقضاء خمس سنوات، وتخرّج أولى دفعات النظام الجديد، لا تزال التساؤلات حول نوعية التكوين الحالي وقدرته على إنتاج صنّاع حقيقيين لمهن مسرحية وسينمائية قادرة على التموقع والإبداع.
وتتقاطع شهادات من بحثنا معهم ماضي وراهن معهد برج الكيفان، عند تأثر الحركة الفنية في المعهد بأربعة عوامل رئيسة:
1 – تباينات المنظومة الثقافية في الجزائر
2 – ارتباط الظاهرة المسرحية في الجزائر بالأشخاص لا المؤسسات
3 – الخضوع للصدفة والعشوائية وليس إلى هيآت متخصصة مخولة بتكوين يضمن تواصلاً عبر الأجيال ويحدث تراكماً في الخبرات، وبما ينظّم ويعقلن ويشرعن الفعل المسرحي وينمي فعاليته الاجتماعية والثقافية
4 – تذبذب التكوين وعدم شموليته: وهنا نطرح إشكالية غياب التكوين الفني المتخصص في مهن المسرح (الماكياج، الإضاءة، الصوت، الأرشفة… إلخ) والذي يحتاج إلى مؤطرين وبرامج ومراجع، وقبل ذلك إلى خطة متكاملة وواضحة توفق بين الجانبين البيداغوجي والفني في مركز تكويني يتيم على المستوى الوطني … وهذا التذبذب أفرز انقطاعات أقعدت المسرح الجزائري عن أداء أدواره بعيداً عن مآخذ “عقم الكوميديات وعجز التراجيديات”
على صعيد جمالي تقني، أسهم خريجو معهد برج الكيفان في ضخ دماء جديدة على مستوى المسارح بفضل اجتهادهم في استحداث طرائق وتقنيات، وسمحت جدية البحث في كسر هيمنة الكلاسيكيات، وتقديم رؤى ركحية جديدة استلهمت مسارح اللامعقول والبيو ميكانيكا والواقعية، على نحو أخرج تقمص الشخوص من الأداء الخارجي إلى الداخلي وبناء روح الدور، بفعل جماليات تصميم الإخراج والسينوغرافيا والمعالجة الدرامية لخريجي وأساتذة المعهد، أمثال: مالك العقون، أحمد خودي، أحمد رزاق، محمد شرشال، فوزي بن براهيم، محمد إسلام عباس، عبد الرحمان زعبوبي، حليم رحموني، حمزة بن جاب الله، عبد الغني شنتوف، مراد بوشهير وغيرهم
هذا ما أنتج مسرحيات صنعت الحدث داخل الجزائر وتونس وفرنسا وبلجيكا والأردن مثل: التمرين 2001، الملك أوبو 2003، علماء الطبيعة 2006، الحكواتي 2007، لو كنت فلسطينياً 2009، طرشاقة 2016 وما بقات هدرة 2017 ومونودرام كاليغولا وغيرها
في المقابل، تأثّر معهد برج الكيفان بحزمة نقائص، كعدم تصوير عدد معتبر من العروض والورشات، وعدم طبع مذكرات التخرج، عدا توثيق أعمال الراحل عبد الحليم رايس وبعض المذكرات الأخرى في بلد لا يزال يفتقد إلى مجلات مسرحية متخصصة، وضآلة المساحات المخصصة للمسرح في الوسائط الإعلامية الوطنية
هذه الخطوة انتقدها رواد المعهد واعتبروا أنّها كانت سبباً في سلب هوية المعهد، خصوصاً بعد تغييب تخصصات مسرحية حيوية بوزن الإخراج والسينوغرافيا والنقد، وسط حضور السينما
اللافت أنّ معهد برج الكيفان – وبلسان فاعليه – يعاني ومنذ وقت طويل من مشاكل بيداغوجية متراكمة أثرّت على المسار المهني لخريجيه، وهي نقطة لم تعاني منها مدرسة الفنون الجميلة التي يتمتع طلبتها بكافة الحقوق، من اعتراف بالشهادة لدى الوظيف العمومي، ومعادلة الشهادة لدى وزارة التعليم العالي، تماماً مثل المعهد العالي للموسيقى الذي تمكّنت إدارته من تسوية الشهادات ومعادلتها، فضلاً عن الاعتراف بها من قبل الوظيف العمومي
انتهاءً، معهد برج الكيفان الذي قام بتخريج آلاف الكوادر بين 1964 و2018، وهو معطى يراه الفاعلون قليلاً في مجتمع يستوعب 42 مليون نسمة، يبقى دوره محورياً في استنهاض فعل مسرحي تكويني مستمرّ في الزمن يرتفع بوضعية الثقافة والمثقف في مسالك التنمية
إدارة “فضاء الركح” تسعد بتلقي ملاحظاتكم وانتقاداتكم ومساهماتكم
كل الحبّ والتقدير لعشاق المراكحات
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *